ومما جاء في هذه الفتوى أيضا جزم صاحبها أن صلاة الجمعة ليست صلاة مستقلة وأنها بدل عن الظهر ليبرر دعواه إلى تركها وصلاتها ظهرا، وهذا القول أيضا مما خالف فيه ما عليه الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بل ومحمد وزفر من الحنفية القائلين بأنها فرض مستقل وببطلان صلاة الظهر مع عدم فوات الجمعة وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن الظهر فرض وقت الجمعة ما لم تكتمل شروطها إلا أنهما قالا أن من لم تتكامل فيه شرائطها أنه يخاطب بأداء الجمعة في مكانها على سبيل الترخيص فإن أدى الجمعة رغم عدم تكامل شروط وجوبها عليه سقط عنه الظهر بذلك (الموسوعة الكويتية 27/ 194) ، وهذا القول الأخير مع ضعفه فهو خلاف ما أفتى به القدسي الذي يأمر بترك صلاة الجمعة عند فقد شروطه الموهومة!
ومما تخبط فيه أيضا، خلطه بين شروط الوجوب وشروط الصحة، فالقدرة على الصلاة التي يشترطها، على خطئه في تقديرها، لم يذكرها العلماء في شروط الصحة التي تبطل الصلاة بتخلفها إنما ذكروها في شروط الوجوب مثلها مثل البلوغ والذكورة والحرية والإقامة ولم يقل أحد منهم بمنع صلاة الجمعة عن أصحاب الأعذار إنما قالوا بعدم وجوبها عليهم ولم يختلفوا في إجزاء من صلاّها منهم عن الظهر. أما شروط الصحة فقد ذكروا فيها الجماعة والخطبة ودخول وقتها وبعض الشروط الأخرى التي فيها خلاف كالعدد والمصر وليس في ما ذكر القدسي منها شيء.
ومن نظر في كلام العلماء في الباب رأى قولهم أن صلاة الجمعة أفضل من الظهر حتى نقل البهوتي رحمه الله الإجماع على ذلك كما في كشاف القناع (4/ 118) وهذا أيضا مما خالف فيه هذا القدسي الذي يدّعي أفضلية الظهر، ورأى قولهم أنه لا يجوز العدول عنها إلى الظهر إلا لمانع صحيح، وأنهم أمروا بأدلة الكتاب والسنة والإجماع بالمحافظة عليها مع البر والفاجر حتى ذكروا ذلك في كتب العقائد، ردا على أهل الزيغ والضلال الذين يعطلون الشرائع بالحجج الواهية والشبهات المتهافتة كما يفعل الروافض والخوارج. قال الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله رحمهما الله:"فثبت بعموم الآية والأحاديث والإجماع، وجوب الجمعة على كل أحد، فمن أراد إخراج أحد عن وجوبها عليه من هذه العمومات، فعليه إقامة الدليل، وإلا فلا سمع لقوله ولا طاعة (الدرر السنية 5/ 32) . وليس في الشريعة دليل صحيح أو حتى ضعيف يدل على اختصاص افتراضها بدار الإسلام دون دار الكفر، أو أن من شروطها الجهر بفروع التوحيد وتكفير الأعيان كما يزعم هؤلاء."