والخوف، قال:"ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة، والجمعة تسقط بأعذارٍ كثيرةٍ منها الخوف على النفس والمال"، فليس هذا مما ذكر القدسي ولا مما نحن فيه اليوم خاصة أن مصطلح بلاد الكفر على اختلاف الفقهاء في تحديده وضبطه لا ينطبق من كل وجه على ديار المسلمين اليوم فهي أشبه بالدار المركبة التي ذكرها شيخ الإسلام عن مدينة ماردين حين استولى عليها التتار، وأحكامها وأحكام أهلها متداخلة بين أحكام بلاد الإسلام وبلاد الكفر ولو سلمنا بالتعريف الراجح لدار الكفر وهو جريان أحكام الكفر عليها فلا يمكن أن تنطبق عليها جميع أحكام بلاد الكفر كالحكم العام على أهلها وصبيانهم بالكفر وإباحة دمائهم وأموالهم ابتداء وجواز الإغارة عليهم وتبييتهم كما يبيت سكان بلاد الكفر الأصلية خلافا لما يقوله العوفية من فرق الخوارج ومن نحا نحوهم من المعاصرين الذين يحكمون بكفر الرعية إذا كفر الحاكم، فهي بلاد كفر طارئ، وجب دفعه وجهاده حتى يعود حكم الشريعة بين المسلمين كما أزاح المسلمون حكم الجهمية والإسماعلية والعبيديين والصليبيين والتتار والفرنسيين والطليان والانجليز وغيرهم ... وهذا الحكم أيضا مما يعطله الغلاة في زماننا بدعوتهم ترك الجهاد لأننا في مثل العهد المكي أو لغياب إمام العامة أو حتى يتعلم الناس التوحيد وقد يصرح بعضهم أن الجهاد القائم اليوم جهاد في سبيل الطاغوت، مع معارضة هذا للأحاديث المتواترة والإجماع المنعقد على بقاء الجهاد إلى آخر الزمان، وكذلك يعطلون صلاة الجماعة بدعوى أن جميع المساجد مساجد ضرار فيتركون الجمعة والجماعات ويكفرون عامة المسلمين بل وعلماءهم ويعتزلونهم فلا يجلسون في حلقة ولا يطلبون علما، حتى استحوذ عليهم الشيطان وطبع الغلو وفساد الخُلق على قلوبهم فلا يكاد أحد منهم يرجع عما هو فيه ولو تناطحت الجبال بين يديه، فحسبنا الله فيهم وفي مشايخ السوء الذين يضلونهم.
وهنا مسألة مهمة في بيان بطلان هذه الفتوى الحائرة وما يترتب عنها من تعطيل لهذه الشعيرة وهي إجماع المسلمين على صلاة الجمعة عندما حكم طوائف الكفر أو الردة بلادهم على مر التاريخ، ولم ينقل عن أحد منهم -في ما أعلم- القول بوجوب تركها أو حتى باستحبابه وهو إجماع سكوتي على وجوب صلاتها مع القدرة عليه حتى في هذه الأحوال، وخير شاهد على ذلك الكلام الذي نقله القدسي نفسه عن الإمام أحمد ومحافظته على صلاة الجمعة حتى وراء الجهمية ومن يدعو لهم على المنابر، ثم إعادة صلاتها ظهرا إذا صلى بهم من تلبس ببدعة خلق القرآن المكفرة، فانظر كيف ينقل هؤلاء ما هو حجة عليهم فلا يتجاوز تراقيهم ولا يدركون معناه وهذا من الختم والغفلة التي ضربت عليهم أعاذنا الله وإياكم.