وفرضت بالمدينة"، وذكر مثله البهوتي في كشاف القناع (4/ 119) والماوردي في الحاوي في فقه الشافعية (2/ 402) فقال رحمه الله:"على أنه يجوز أن تكون الجمعة، قبل الهجرة، لم تفرض على الأعيان، ثم فرضت على الأعيان بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم"اهـ، وهذا أقوى المذاهب لموافقته لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه."
الثاني: أن اجتماعهم للصلاة يومها كان اجتهاد من الصحابة وهداية من الله سبحانه وهو اختيار السيوطي كما نقل عنه الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحم الله الجميع، في الدرر السنية (5/ 32) ويشهد له مرسل ابن سيرين المتقدم.
الثالث: أنها فرضت بمكة لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتمكن من صلاتها بسبب الخوف والعجز عن المجاهرة بها وهو اختيار الشوكاني كما في نيل الأوطار (5/ 284) ، قال رحمه الله:"ذلك أن الجمعة فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة كما أخرجه الطبراني عن ابن عباس- وهذا وهم منه رحمه الله أو من النسّاخ والصواب الدارقطني عن ابن عباس أو الطبراني عن أبي مسعود- فلم يتمكن من إقامتها هنالك من أجل الكفار"، وهذا أيضا أحد توجيهات الماوردي في الحاوي أيضا (2/ 402) عند قوله:"وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفا من قريش لا يقدر على مجاهرتهم بها، فلذلك لم يصلها"، وقال بهذا أيضا من فقهاء الشافعية الشبراملسي في حاشيتة على نهاية المحتاج (6/ 450) والشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج (2/ 405) . وهذا القول ماض على قواعد الشريعة في أن التكليف منوط بالقدرة وأن العجز مسقط للواجب وفرق شاسع بين القول بالعجز الذي دلت على اعتباره نصوص الشرع وبين دعوى أن النبي صلى عليه وسلم امتنع من صلاتها مع القدرة على ذلك لشروط موهومة لفق لها صاحب الفتوى أدلة منكرة ونسبها للعلماء دون إحالة.
الرابع: وهو أحد توجيهات الماوردي أيضا كما في الحاوي (2/ 402) وهو أن الصلاة في مكة لم تستكمل شرط العدد الذي يفرضه جماعة من الفقهاء وهو أربعين رجلا ممن تجب عليهم الصلاة. وهو قول ضعيف لضعف الدليل على شرط الأربعين في صلاة الجمعة.
فالحاصل أن العلماء الذين تعرضوا لهذه المسألة لم يذكروا ما ذكره القدسي من امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة لأن مكة كانت دار كفر بل إني لم أقف على هذا المعنى إلا عند ابن رجب في شرحه على البخاري (6/ 145) حيث قال رحمه الله:"فيحمل أنه إنما أمر بها أن يقيمها في دار الهجرة، لا في دار الحرب"وقد ربطه بمسألة العجز