-إن من واجب كل مسلم أن يرد في دينه إلى المحكم ويترك المتشابه لقوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ} ومن رأيناه يتبع المتشابه فذلك الذي سمى الله والواجب الحذر منه، هذا إذا كان في الأمر شبهة، فكيف إذا كانت الشبهة باطلة ولا وجود لها إلا في خيال قائلها؟ و إلا، أين يجد في هذا النص الذي اصطلح عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقريشا"باسمك اللهم هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله مع قريش"كلمة الكفر كما يزعم؟
إن هذا الغلو لم يبلغه ولم يقل به الخوارج لما حاججهم عبد الله بن عباس بهذه الواقعة وبلغه هذا الرجل الذي في المقابل لا يجعل كلمة سب الرب مكفرة بذاتها حتى يتبين قصد صاحبها إلى الكفر! فسبحان الذي جعله يجمع بين هذه المفارقات وجعله يسمي ما ليس بكفر كفرا وما هو كفر غير ذلك.
-إن من محكمات ديننا أن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك من جاء قبله من الأنبياء قد بعثوا لدعوة الناس إلى توحيد الله سبحانه وتحذيرهم من الشرك، و أمرهم بالبراءة منه وممن يدين به ونهاهم عن المداهنة في ذلك، أو التساهل والترخص فيه، وقد توعد الله سبحانه صفيه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم بضعف الحياة وضعف الممات إذا ركن للمشركين شيئا قليلا فكيف إذا أقرهم على الكفر ووقع لهم عليه!
-من محكمات ديننا أيضا إجماع أهل الملة على أن الله سبحانه قد عصم الأنبياء من الكبائر ومن الكفر من باب أولى، وكلام هذا الرجل مخالف لهذا الأصل، وقوله -والعياذ بالله- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفر بذلك لا يصرف من صريح كلامه إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الكفر، وهذا -بعد الطعن الصريح- نقض لأصل العصمة جملة وتفصيلا وتجويز على الأنبياء ما لا يجوز لهم في أمر أجمعت الشرائع على تحريمه والترهيب منه.
-أن كلامه هذا يفيد أن إقرار الكفر والتوقيع عليه جائز في ديننا سياسة، وهذا أقل أحواله ترخيص واستحلال لمحرم بغير دليل نقلي أو حتى عقلي، وهو يفضي إلى إبطال ما قرره علماء المسلمين من أن الرضا بالكفر كفر، إذ أن التوقيع من أعلى درجات الإقرار والتوكيد و يفضي كذلك إلى إقرار جميع الموبقات والمنكرات.
فإنه ليس بعد إقرار الشرك والكفر ذنب يؤاخذ عليه المشركون أو من أقرهم عليه، ويفتح الباب عريضا لأهل السياسة في الترخص في المكفرات، والمحرمات من باب أولى، بعلة الضرورة السياسية وتدبير الأمور، كما هو واقع في زماننا، وهذا ما يحبه الملوك ويرضونه، وهذا ودين محمد صلى الله عليه وسلم ضدان لا يجتمعان، بل هو دين مكيافيل في تقديم السياسة على الدين