الصفحة 9 من 131

شئت أن تُغْرَس في الجنّة ليأكل منك المؤمنون والمؤمنات)، فاختار الباقي على الفاني. يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لبقي يحنّ ويخور إلى يوم القيامة) . كان الحسن البصري -رحمه الله- إذا ذكر حديث حنين الجذع يقول:"جمادٌ حنّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما لكم أنتم لا تحنّون؟".

إذا كان جبل أحد قد طرب للقاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما بالنا نحن لا نطرب لذكره -عليه الصلاة والسلام-؟

لا تلوموا لرجفةٍ واهتزازٍ أُحدًا *** إذْ عَلَاهُ النبي، فالوَجْدُ داءُ

أُحدٌ لا يلام فهو محبٌ *** ولَكَمْ أَطْربَ المحبَّ لقاءُ

هذا عمرو بن ميمون -رحمه الله- يقول:"اختلفت إلى ابن مسعود -رضي الله عنه- سنةً فما سمعته يقول: (قال رسول -صلى الله عليه وسلم- إلّا أنّه حدّث يومًا فجرى على لسانه:(قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) ثمّ علاه كربٌ حتّى رأيت العرق يتحدَّر من جبهته، ثمّ قال: (هكذا إن شاء الله، أو فوق ذا، أو ما دون ذا) ، ثمّ انتفخت أوداجه وتربّد وجهه وغرغرت عيناه شوقًا وهيبةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

ولذلك كانوا -رضي الله عنهم- يعظِّمون الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ كان عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله- إذا قرأ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر الحاضرين بالسكوت، فلا يتحدث أحد، ولا يُبْرَى قلم، ولا يبتسم أحد، ولا يقوم أحد قائمًا، كأنّ على رؤوسهم الطير أو كأنّهم في صلاة، فإذا رأى أحدًا منهم تبسَّم أو تحدّث لبس نعله وخرج.

وكان مالك -رحمه الله- شديد التعظيم لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فكان إذا جلس للفقه جلس كيف كان، وإذا أراد الجلوس للحديث اغتسل وتطيّب ولبس ثيابًا جُدُدًا وتعمَّم، وقعد على منصّته بخشوع وخضوع ووقار، ويبخَّر المجلس من أوّله إلى فراغه تعظيمًا لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

يقول زيد بن أسلم عن أبيه:"قدمنا الشام مع عمر -رضي الله عنه- فأذّن بلال -رضي الله عنه- فذكر الناس النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فلم أرَ يومًا أكثر باكيًا منه"، وقد أذكرهم بآذانه عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-.

يقول سعيد بن عبد العزيز: لمّا احتُضر بلال -رضي الله عنه- قال:"غدًا نلقى الأحبّة محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وحزبه". وتقول امرأته:"ياويلاه"، وهو يقول:"وافرحاه، وافراحاه"، هكذا كان حبّهم -رضي الله عنهم- لنبيّهم -عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت