وفي الأثر كما ذكرنا قبل قليل عن نبي الله عيسى -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت والعاشر اعتزال الخلق فيما لا ينفع) . وإذا أردت أن تعرف قدرك عند الله فكما ذكرنا مرارًا، انظر بأي شيء شغلك، ولذلك جاء عن الحسن البصري -رحمه الله- أنه قال:"من علامة خذلان العبد أن يشغله الله فيما لا يعنيه"، فيما لا يقرّبه إلى الله، فيما لا يعود عليه بنفع في دين ولا دنيا، دائمًا يتتبع الحكايات، ويتسقَّط الأخبار تنفع أو لا تنفع، وهو ما شاء الله موسوعة في الإشاعات والله المستعان، وهذه من علامة الخذلان.
ثبت عن معروف الكرخي أنه قال:"كلام العبد في ما لا يعنيه خذلان وحماقة"؛ خذلان من الله له، وحماقة منه يعود ضررها عليه.
وإذا كان الإنسان مأمورًا بالصمت؛ فإن النفس لا بد أن تنشغل بشيء، ونفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، فلا ينبغي للإنسان أن يصمت صمتًا مطلقًا، وإنما يصمت عن الشر، ثم يذكر ويشتغل بذكر الله -سبحانه وتعالى-، وأيضًا إذا أراد أن يتكلم فليتكلم بالخير.
وليس معنى هذا أيها الإخوة الكرام أن الإنسان لا يمزح، فلم يكن هذا خلق نبينا -صلى الله عليه وسلم- بل كان يمزح عليه الصلاة والسلام، وهكذا كان صحابته -رضي الله عنهم-، لكن المزاح ينبغي أن يكون كالملح في الطعام، فلا يكون شأن الإنسان في ليلة ونهاره، ولا يكون المزاح هجِّيرًا، وقديمًا قال عمر -رضي الله عنه-:"من مزح استُخف به"، يعني المزَّيح دائمًا يمزح، هذا يسقط من أعين الناس، ويسقط قدره، ويصبح ملطشة وكل الناس تضحك منه أو عليه، أوتسخر منه أو تمازحه، وينبغي للمؤمن أن يحفظ لنفسه قدرها ومقامها، يمزح لكن بقدر وبالحق {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} ونسأل الله تعالى ..
-انقطاع التسجيل-.