الصفحة 29 من 131

أخرج الطبراني عن معاذ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّكَ لَن تزالَ سالِمًا ما سكَتَّ، فإذا تكلَّمتَ كُتِبَ لكَ أو عليكَ) ، وهذا يرجِّح ما ذكرناه آنفا، أن كل كلمة تتكلم بها فهي مكتوبة مسطورة عند الله -سبحانه وتعالى- وفي صحف ملائكته الكرام.

وقد ثبت في الصحيحين، عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال) ، قيل وقال.

وفي سنن أبي داوود قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بِئس مطيَّة الرجل زَعَمُوا) ؛"سمعت، قالوا لي، حكوا لي .."، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون ناقة أو دابة تُنقل عليها الإشاعة، والله تعالى قد وبَّخ المؤمنين فقال: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} ، عن المنافقين، ما معنى أَوْضَعوا؟ أوضعوا كما قال ورقة بن نوفل لما جاءه للنبي -صلى الله عليه وسلم-أو جاءه الخبر:"يا ليتني فيها جزع، أخُبُّ فيها وأضع"؛ الجزع: للشاب القوي لأنه كان في آخر عمره،"أخب فيها وأضع"؛ الخَبَب: سير سريع، وكذلك الإيضاع، من الإيضاع وهو سرعة المشي, ولأوضوعوا: أي لأسرعوا فيكم، {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} يعني هم يسرعون في نشر الفتنة والفساد والسوء بينكم، ثم قال تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ، قيل فيها قولان: قيل يسمعون فينقلون لكم الكلام، والصحيح الثاني: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ، الله تعالى يعيب على المؤمنين أن بعضهم يحسن الظن بهؤلاء المنافقين، فيفضي لهم، ويستمع إليهم، فيتأثر بهم، والإنسان لا بد أن يتأثر، وهذا لاشك أنه نقطة سوداء، ينبغي للمؤمن أن يكون عاقلًا فطنًا، وألّا يحسن الظن بالمنافقين، وألّا يستمع إليهم، {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ، على سبيل العتاب والتوبيخ من الله -سبحانه وتعالى-.

والمؤمن كلما زاد إيمانه رزقه الله فرقانًا، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ، فرقان يفرِّق الإنسان بين الحق والباطل، وبين المحِق والمبطِل، فلا يكون أُذنًا يستمع لكل إنسان، وإنما يميز بين المؤمن فيقبل منه، وبين المنافق فيُحِجم عنه ويصدّ ويصمّ أذنه، {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} ولا ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك، (وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال) .

لقاء النَّاس ليسَ يُفيد شيئًا ... سِوى الهذيان مِنْ قيلٍ وقالِ

فأقلل مِنْ لقاء النَّاس إلاَّ ... لأخذ العلم أو إصلاح حالِ

ومن أراد الايمان فعليه أن يضم لسانه وأن يلجمه، ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الأخر- خطاب لنا جميعًا إن شاء الله أيها الإخوة الكرام- فليقل خيرًا او ليصمت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت