والسلامة لا يعدلها شيء، والكلمة أسيرتُك فإذا أطلقتها صرت أسيرها، وتملكها فإذا نطقت بها ملكتك. ولذلك كان الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- وهم تربية النبي -عليه الصلاة والسلام- يعاتبون أنفسهم كثيرًا، ويحاسبونها ويراعون هذا الأمر فيها, ثبت في شعب الإيمان للبيهقي، أن أبا بكر -رضي الله عنه- كان إذا خلا بنفسه في بيته، أمسك لسانه وقال:"هذا الذي أوردني الموارد"، وهو الصدِّيق -رضي الله عنه- وأرضاه.
وثبت عن ابن مسعود -رضي الله عنه- في معجم الطبراني بسند حسن، أنه رَقي يومًا على الصَّفا، ثم نادى بأعلى صوته يخاطب لسانه؛ ليسمع الناس فقال:"يا لسان قل خيرًا تغنم، أو اسكت عن شر تسلم، وإلّا فسوف تندم"، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، أهذا شيء تقوله من نفسك، أم سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوله؟ فقال:"بل سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أكثر خطايا بني آدم في ألسنتهم) ؛ لأن هذا العضو سهل التحريك، ووبيل العاقبة والعياذ بالله."
وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال:"تعلَّموا الصمت كما تتعلَّمون الكلام"؛ تعلموا الصمت، تريد أن تتكلم لكن تلزم نفسك أحيانًا بالصمت؛ ليصبح هذا الأمر لك عادة،"فإن الصمت حِلم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مِضْحَاكًا من غير عجب، ولا مشَّاءً إلى غير أرب"؛ يعني يتمشى فقط، يذهب ويأتي وليس له أرب ولا عرض ولا حاجة يقضيها، وإنما يقضي وقته في التمشي.
وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن ابن عمر -رضي الله عنهم- قال:"أحقُّ ما طهر العبد لسانه"، وقد روى الإمام أحمد في المسند، عن أنس -رضي الله عنه- قال:"قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يستقيم عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) ."
وقد روى ابن سعد عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال:"لا يتقي عبدٌ حتى يخزِن من لسانه"؛ يعني يمسك عليه بعض الكلام، فيخزن هذا اللسان، ويحبسه ولا يطلقه حتى يزن كلامه. والله تعالى وصف المؤمنين فقال: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} ، هؤلاء عباد الرحمن، إذا مروا باللغو مروا كرامًا، لا يُخالطونه ولا يتدنسون به.
وقد قال عمر بن عبد العزيز-رحمه الله-:"التقيُّ مُلْجَم"؛ يعني له لجام، لا يطلق نفسه، لا يفك لسانه، تقواه تلجم لسانه، فلا ينطق إلا بموجب التقوى، ولا يتكلم إلا بموجب الخوف من الله -سبحانه وتعالى-، وهذا كما جاء في حديث أبي داوود أيضًا: قال -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمان قيد الفكّ) ، يعني أن المؤمن لولا الإيمان لربما فتك بالناس وآذاهم، وأساء إليهم، لكن الإيمان يقيده ويمنعه عن الفتك بالناس وآذاهم، وكذلك التقيّ ملجم، تلجمه التقوى، ويمنعه إيمانه فلا يتكلم -كما قلت- إلا بعد أن يزن كلامه.
وروى الطبراني، عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يبلغ عبد حقيقة الايمان حتى يخزِن من لسانه) , وكما قلنا وحسبنا قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} .