الصفحة 27 من 131

سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه -ونسأل الله أن ييسره علينا- تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.)، ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-:(يا معاذ، ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟) قلت: بلى يا رسول الله، قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) ، ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: (كُفَّ عليك هذا) ، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك، وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم!) .

واللهُ تعالى أيها الإخوة الأكارم جعل لك أذنين ولسانًا؛ لتسمع أكثر مما تتكلم، وليس هذا فقط بل إن الله تعالى قد حبس لك هذا اللسان في سجنين، سجن من عظم، وسجن من لحم، حتى تتمهل، وتتّئِد قبل أن تخرجه فينطق، قبل أن تفك أسره وتخرجه من حبسه، حتى تتّئِد وتزِن كلامك وتفكِّر فيه، وقد جاء في سنن الترمذي بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي) ؛ قسوة للقلب سبب لبعد القلوب عن علَّام الغيوب سبحانه، وإن أبعد قلوب الناس من ربنا الرحيم قلب قاسٍ، وهذا كما ذكرنا في أول الدرس سبب من أسباب -أعني قلة الكلام- الخشوع والقرب من الله سبحانه وتعالى والعكس بالعكس.

ثبت في كتاب (الصَّمت) لابن أبي الدنيا بسند حسن، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال:"سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من كفَّ لسانه ستر الله عورته، ومن ملك الله غضبه أجاره الله عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره) ، وهو أكرم الأكرمين -سبحانه وتعالى- من كف لسانه ستر الله عيبه؛ وكم فضح اللسان من أناس كانوا مستورين بستر من الله، وزلة لسانهم فضحتهم وكشفت المخبوء الذي كان بينهم وبين الله."

قد روي عن سليمان -عليه الصلاة والسلام- أنه قال:"إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب"، ويُحكى عن أرسطو أو أفلاطون أنه كان يقول:"الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت، وواحد منها في قلة الكلام"، وسنروي قريبًا من هذا إن شاء الله، عن نبي الله عيسى -عليه الصلاة والسلام-.

قال الإمام النووي -رحمه الله-:"في السكوت والصمت فائدة عظيمة؛ وهي السَّلامة"، من صمت نجا، ولا شيء يعدل السلامة.

وقائلةٍ ما لي أراكَ مُجانِبًا ... أمورًا وفيها للتجارة مربحُ

فقلت لها ما لي بربحك حاجة ... فنحن أناسٌ بالسَّلامة نفرحُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت