الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها، وبرز أبو جهل في كوكبة من فرسان قريش، فأشار إليه، فشدا إليه كصقرين فضرباه فسقط يتدرج في دمائه" [1] ."
كان أئمتنا -رحمهم الله ورضي عنهم- يعتبرون هذا الأمر في الرجل ليأخذوا عنه حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا الإمام مالك -رحمه الله- يقول:"حجّ أيوب السختياني -وهو من شيوخ أهل السنة الكرام-، يقول: حجّ حجّتين فما كتبت عنه ولا رويت، فلمّا حجّ في المرة الثالثة؛ جلس في فناء زمزم فكان إذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- يبكي حتى إنّي لأرحمه من شدّة البكاء، فكتبت عنه عند ذلك ورويت" [2] .
حديث نبينا -عليه الصلاة والسلام- لا يؤخذ إلا من محبّ له ومتعلق به، بحيث إذا ذكره حنّت إليه كل ذرّة في جسده، هكذا كان أئمتنا -رضي الله عنه- وشتّان ما بيننا وبينهم!.
هذا مصعب بن عبد الله يقول:"كان مالك -رحمه الله- إذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- يتغيّر لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوم في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون". فماذا رأيت أيّها الإمام المبارك؟
يقول:"لقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيّد القرّاء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا ويبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسّم، فإذا ذُكر عنده النبي -عليه الصلاة والسلام- اصفرّ لونه، وما رأيته يحدّث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلّا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلّا على ثلاثة خصال؛ إمّا مصليًا وإمّا صامتًا وإمّا يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذي يخشون الله تعالى. ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- فيُنظر إلى لونه وكأنّه نزف منه الدمّ، وقد جفّ لسانه في فمه هيبةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذُكر عنده النبي -عليه الصلاة والسلام- بكى حتّى لا يبقى في عينيه الدموع، ولقد رأيت الزهري وكان من أهنئ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي -صلى الله عليه وسلم- فكأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سُليم وكان من المتعبّدين المجتهدين فإذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- بكى ولا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه" [3] .
وكيف لا يميل قلب الصادق المُحب إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وقد مال إليه الجماد، وحديث حنين الجذع ثابت في الصحيحين، متواتر عن نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وخلاصته أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يخطب عند جذع نخلة؛ فلمّا صُنِعَ له المنبر وَرَقِيه في أوّل جمعة حنّ الجذع فاستلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: (إن شئت أن أغرسك لتعود أبهى ما كنت وأنضره، وإن
(1) صحيح البخاري (3141) .
(2) انظر (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض ط: دار الفكر 2\ 41.
(3) انظر (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض ط: دار الفكر 2\ 42.