وهذا خالد بن معدان -رحمه الله- كان قلَّ ما يأوي إلى فراشه إلّا وهو يذكر شوقه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من المهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم-، ثم يسمّيهم ويقول:"هم أصلي وفصلي وإليهم يحنّ قلبي، طال شوقي إليهم، فعجّل ربي قبضي إليهم"، حتى ينام وهو على ذلك -رضي الله عنه-.
أخرج الطبراني في (الصغير والأوسط) ، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة كما قال الهيثمي في (المجمع) ؛ عن أمّنا عائشة -رضي الله عنها- قالت:"جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم يرد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى نزل جبريل بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} [1] الآية" [2] .
وعند الطبراني أيضًا بإسناد فيه عطاء بن السائب -وقد اختلط- عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال:"يا رسول الله، إني لأحبك حتى إني لأذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك ظننت أن نفسي تخرج، فأذكر أني إن دخلت الجنة صرت دونك في المنزلة فشق ذلك علي، وأحب أن أكون معك في الدرجة، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم- شيئا، فأنزل الله -عز وجل-: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ} ، الآية، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتلاها عليه" [3] .
وقد أخرج البزّار عَن ابْنِ عباس -رضي الله عنهما- قال:"أتى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقيل له: هذه الأنصار، رجالها ونساؤها في المسجد يبكون، قال: (وما يبكيها؟) قال: يخافون أن تموت" [4] . عليه الصلاة والسلام.
وهذا أيّها الأخوة الكرام كان شأن الصغار والشباب أيضًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا معاذ بن الجموح ومعاذ بن عفراء -رضي الله عنهم جميعًا- كما في البخاري؛ اكتنفا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-، يقول عبد الرحمن بن عوف:"تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت"
(1) سورة النساء الآية 69.
(2) المعجم الأوسط (477) ، المعجم الأصغر (52) .
(3) المعجم الكبير للطبراني (12559) .
(4) كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي (2798) .