وظنّ أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى الصلاة، فأشار إلينا أن أتمّوا صلاتكم، ثم أرخى الستر، وتوفي من يومه عليه الصلاة والسلام"."
كان سلفنا الكرام -رضي الله عنهم- إذا ذكروا حديث وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- يبكون حتى تختلف أضلاعهم؛ شوقًا وحبًا لمحمد -صلى الله عليه وسلم-.
ثبت في صحيح البخاري عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال:"لما ثقل النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل يتغشاه، فقالت فاطمة عليها السلام:"واكرب أباه"، فقال لها: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم) فلما قبض النبي صلى الله علي وسلم قالت:"يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس، مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه"، فلمّا دفن -صلى الله عليه وسلم- قالت:"يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب" [1] . لا والله ما طابت ولن تطيب، ولكنهم قهروها طاعةً للحبيب -عليه الصلاة والسلام-."
يقول حمّاد الراوي الحديث عن ثابت، وثابت روى الحديث عن أنس -رضي الله عنهم جمعيًا-؛ يقول:"رأيت ثابت البُناني إذا حدَّث بحديث وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام- يبكي حتى تختلف أضلاعه، شوقًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثابت هذا كان إذا رأى أنس -رضي الله عنهم جميعًا- يأخذ يده ويقبّلها ويقول:"يدٌ مسَّت يد النبي -صلى الله عليه وسلم-"، وما لهم لا يفعلون هذا وقد فقدوا النور الذي كان يضيء لهم حياتهم ودربهم."
ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة عن أنس -رضي الله عنهم جميعًا- قال:"لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلم منها كل شيء" [2] .
ولشدة حبهم وشوقهم للنبي عليه الصلاة والسلام؛ كان أحدهم إذا أخذته السنة فغاب عن الدنيا يتراءى له خيال حبيبه -عليه الصلاة والسلام-، وهذا أنس -رضي الله عنه- يقول كما في مسند الإمام أحمد:"قل ليلة تأتي علي إلا وأنا أرى فيها خليلي -صلى الله عليه وسلم-"، وأنس يقول ذلك وعيناه تذرفان شوقا إلى الحبيب -صلى الله عليه وسلم- [3] .
وهذا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهم جميعًا-كما في الدارمي: كان بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يذكره إلا ويبكي، ما ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا بَكَى، وما مرّ على ربعه إلّا غمّض عينيه -رضي الله عنه وأرضاه-.
(1) صحيح البخاري (4463) .
(2) سنن أبن ماجة (1631) .
(3) مسند الإمام أحمد (13267) .