تحبّين". فقالت:"لا والله حتى تأخذوني فأنظر إليه"، فلمّا رأته مقبلًا قد أنار وجهه كفلقة القمر -عليه الصلاة والسلام-، فقالت:"كل مصيبة بعدك جَلَل يا رسول الله"، وجلل من الأضداد وهي هنا بمعنى حقيرة لا وزن لها ولا قيمة، فَمَن الولد ومَن الزوج ومَن الأخ ومَن الأب؟ فليذهبوا جميعًا فداءً لك يا رسول الله، المهم أن تسلم أنت لنا يا محمد -عليه الصلاة والسلام-."
وقد روى مالك في (الموطّأ) عن سعد بن الربيع، وسعد هو الذي آخى النبي -عليه الصلاة والسلام- بينه وبين عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهم جميعًا-، فقال:"عندي زوجتان اختر أحسنهما أطلقها، ثم تتزوجها إذا انقضت عدّتها، وعندي بستانان فاختار أحسنهما"، فقال:"بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّني على السوق".
افتقده النبي -صلى الله عليه وسلم- في أعقاب غزوة أحد فقال: (من يأتيني بخبر سعد؟) ، فانتدب أحد الأنصار -رضي الله عنهم جميعًا-، وجعل يجوس بين القتلى والجرحى حتى انتهى إليه وبه رمق، ووقف على رأسه فقال:"رسول الله يقرئك السلام"، فقال:"اقرئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منّي السلام وأخبره أنّي قد طُعنت اثنتي عشر طعنة وأني قد أُنفذت مقاتلي، وأخبر قومي الأنصار أن لا عذر لهم عند الله إن خَلُص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذى وفيهم عين تطرف"، ثمّ قضى رضي الله عنه وأرضاه، ترك زوجة وبنتين صغيرتين وعمّة، فما سأل عن زوجٍ ولا ولد، إنّما سأل عن حبيبه محمّد -عليه الصلاة والسلام-.
ولذلك كانوا -رضي الله عنهم- عندما يشعرون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُعرِّض بفراقهم تسيل دموعهم، وتنفطر قلوبهم شوقًا إلى محمد -عليه الصلاة والسلام-، ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال:"وجد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خِفّةً في مرضه الذي مات فيه، فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: (إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله) ، فبكى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وقال: (بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا) ، قال أبو سعيد -رضي الله عنه-:"فعجبنا له، يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا" [1] ."
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال هذا الكلام قبل موته بخمسة أيّام، كما ثبت في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله -رضي الله عنهم جميعًا-، وفي يوم الإثنين .. روى البخاري عن أنس -رضي الله عنه-:"أنّ أبا بكر -رضي الله عنه- كان يصلّي بهم في وجع النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي توفّي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي -صلى الله عليه وسلم- ستر الغرفة ينظر إلينا وهو قائمٌ كأنّ وجهه ورقة مصفح، فتبسَّم يضحك، يقول أنس -رضي الله عنه-: فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- فنكص أبو بكر -رضي الله عنه- على عقبيه ليصل الصفّ،"
(1) صحيح البخاري (466، 3654، 3904) .