في مكانك وأنك آمنُ في أهلك ومالك؟"، فقال:"يا قوم، والله ما يُسرّني أن يفديني محمّد -صلى الله عليه وسلم- بشوكة في قدمِه"؛ لو قيل لي تنجو من الموت وتوهب لك الحياة وتعود إلى أهلك وولدك على أن يُشاك حبيبك محمّد -عليه الصلاة والسلام- بشوكة في قدمه؛ لقلت بملء فِيَّ: لا ثم لا، بل أفتديه بروحي وأهلي ومالي والخلق أجمعين، صلى الله عليه وسلم، ثمّ توجّه إلى المدينة كما في (مغازي موسى بن عقبة) ورفع رأسه إلى السماء وقال:"اللهمّ إنّي لا أجد من يبلّغ رسولك منّي السلام، فبلّغه منّي السلام"، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- جالسًا في أصحابه فبلَّغه ربّه، فقال: (وعليك السلام ورحمة الله وبركاته) ، ثم قال: (قُتل الآن خُبيب) ، قتل الآن خبيب وترك زوجة وأولادًا صغارًا وأهلًا وأقارب ومالًا، فما سأل عن زوجٍ ولا ولدٍ ولا كلد، فقلبه وباله مع حبيبه محمّد -عليه الصلاة والسلام-، وهو القائل -رضي الله عنه-:"
لَقَد جَمَعَ الأَحْزَابُ حَْولي وأَلَّبوا *** قَبَائِلَهُم واسْتَجَمعوا كلَّ مَجْمَعِ
وكُلُّهم مُبدِي العداوة جَاهِدٌ *** عليَّ لأنِّي في وثاقِ بمضيعِ
وقَدْ جَمَعُوا أبناءَهم ونساءَهم *** وقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طويلٍ مُمْنَعِ
إلى الله أَشْكُو غُربتي ثمَّ كُربتي*** وما أَرْصَدَ الأحزابُ لي عند مَصْرَعي
فَذَا العَرْشِ صَبِّرني على ما يُرَادُ بي *** فقد بَضَعُوا لحمي وقَدْ ياسَ مَطْمَعي
وقد خيَّروُنيَ الكُفْرَ والموتُ دُونَهُ *** وقد ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غير مَجزَعِ
وما بي حَذَارُ الموتِ إنِّي لميِّتٌ*** ولكِنْ حَذَاري جُحْمُ نَارٍ مُلَفَّعِ
فَلَسْتُ أُبَالي حِينَ أُقْتَلُ مُسلِمًا*** على أيّ جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعِي
وذلك في ذَاتِ الإله وإنْ يَشَأ*** يُبارِكْ على أَوْصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
وَلَستُ بِمُبدٍ للعدوِّ تَخَشُّعًا *** ولا جَزَعًا، إنِّي إلى اللهِ مَرْجِعي
ولم يكن هذا -أيّها الإخوة الكرام- شأن الرجال فقط بل كان أيضًا شأن النساء، وقد روى ابن اسحق في (المغازي) عجبًا عن امرأة من الصحابيات الأنصاريات الفاضلات -رضي الله عنها وأرضاها-؛ قُتل في معركة أُحد زوجها وابنها وأبوها وأخوها، لمّا قَفَل المسلمون تعرّضت لهم تسألهم، سألت عن زوجها فقيل لها قُتل، فقالت:"لا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، ثمّ سألت عن ابنها فقيل لها قٌتل، فقالت:"لاحول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، ثم سألت عن أبيها فقيل لها قُتل، فحوقلت واسترجعت، وسألت عن أخيها فقيل لها قُتل فحوقلت واسترجعت، ثم قالت:"ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ما فعل محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام-؟"، فقالوا:"هو بخير كما"