حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) [1] .
وهذا الأمر كلنا يدّعيه والكلّ يزعمه، فهل يا ترى هناك علامة فارقة أو برهان يصدّق هذه الدعوى؟
قال الإمام ابن حجر رحمه الله -فيما معناه-:"يتحقّق هذا الحب ويظهر صدق الإنسان في هذا الباب؛ فيما لو خُيّر الإنسان بين عرض من أعراض الدنيا ومتاع من متاع الدنيا وشيء من حظوظها وبين رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- لو كانت ممكنة، فإذا اختار رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- على الدنيا وما حوت فهذا هو حقيقة الحب وهذا هو الواجب".
وقديمًا قال الشاعر:
ولو قيل للمجنون: ليلى وَوَصْلَها *** تريدُ أم الدنيا وما في طَوَاياها؟
لقال: غُبارٌ مِنْ تُرابِ نِعَالها *** أحبُّ إلى نفسي وأشفى لبلواها
وقد قرّر لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الحقيقية؛ فيما رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، والحديث روى مثله أحمد عن أبي ذر -رضي الله عنهم جميعًا-، أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أشد أمتي لي حبا، ناس يكونون بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله) [2] ؛ يتمنّى لو يرى النبي -صلى الله عليه وسلم-ولو لطرفة عين ولو لحظة ويدفع الثمن أهله وماله.
وقد ثبت في معجم الطبراني الكبير بسند رجاله ثقات كما ذكر الهيثمي في (المجمع) عن سَمُرة بن جندب -رضي الله عنهم جميعًا-، أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن أحدكم سيوشك أن يحب أن ينظر إلي نظرة بما له من أهل ومال) [3] .
فتعالوا أيّها الإخوة الكرام نُقلِّب سريعًا صفحات التاريخ لنقرأ ما خطّه سلفنا -رضي الله عنهم- بخالص الذهب على أبيض الورق في غُرّة وجبين الدهر من حبٍ لنبيّهم الكريم -عليه الصلاة والسلام-؛ ثبت في الصحيحين من حديث خُبيب بن عدي -رضي الله عنهم جميعًا- في قصته الطويلة لمّا أرسلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- سريّة بإمارة عاصم بن ثابت -رضي الله عنهم جميعًا- قِبَلَ نجد؛ فكان ما كان من غدر المشركين، فقتلوا من قتلوا واستأسروا من استأسروا، وكان ممّن استأسروا خبيب -رضي الله عنه وأرضاه-، ثمّ أخرجوا إلى التَّنعيم ليذبحوه، فقال لهم واستأذنهم أن يصلّي ركعتين فأذنوا له، فصلّى ركعتين وأخفَّهُما، فلمّا انتهى قال:"أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طوَّلتُ جزعًا من القتل لاستكثرت من الصلاة"، فلمّا رُفع ليصلب -رضي الله عنه- قيل له:"يا خبيب أيسرُّك أنّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم-"
(1) صحيح البخاري (16) صحيح مسلم (67) .
(2) صحيح مسلم (2832) ، مسند الإمام أحمد (9399) .
(3) المعجم الكبير للطبراني (7097) .