كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [1] ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [2] .
أما بعد؛ فإنّ خير الكلم كلام الله -عز وجل-، وخير الهدي هدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
حديثنا اليوم أيّها الأخوة الكرام -إن شاء الله تعالى- عن أمر إيمانيّ، ينبغي لنا أن ننمّيه في قلوبنا، وأن نتعاهده حتى تبسُق شجرته بإذن الله -تبارك تعالى-، هذا الأمر هو حبّ النبي -عليه الصلاة والسلام-.
نحن أيها الإخوة الكرام أمة أكرمها الله ببعثة خير خلقه وأكرم أنبيائه -عليه الصلاة والسلام-، هدانا به من الضلال، وبصّرنا به من العمى، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، فهو أعظم الخلق حقًا علينا -عليه الصلاة والسلام-، فيا تُرى ما واجبنا تجاه هذا النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام-؟ وما حقّه علينا؟
فنقول أيها الإخوة الكرام؛ الواجب علينا تجاهه -صلى الله عليه وسلم- أن نُحبَّه أكثر من النفس فما دونها، وهذا الأمر على سبيل الحتم والإيجاب وليس على سبيل الندب والاستحباب؛ قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [3] ؛ أولى بهم من أنفسهم في الحبّ والنصرة؛ فينبغي أن يُحَب أكثر من أنفسنا فما دونها، وأن ننصره وسنّته ودينه -عليه الصلاة والسلام- أكثر من نصرتنا أنفسنا وأهلينا وعشائرنا وأوطاننا وسائر الخلق.
وقد قال -تبارك وتعالى- محذِّرًا مَنْ أعرض عن هذا الأمر أو قصَّر في هذا الباب، فقال متوعِّدًا متهدِّدًا: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [4] ، وقد قرّر لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا فيما رواه الشيخان عن أنس، والحديث روى نحوه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنهم جميعًا- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) [5] .
ولا يذوق عبدٌ حلاوة الإيمان، ولا ينال بهجته، ولا يحظى بلذّته؛ حتى يحقّق هذا الوصف، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين عن أنس -رضي الله عنهم جميعًا- (ثلاث من كن فيه وجد
(1) سورة النساء الآية 1.
(2) سورة الأحزاب الآية 70 - 71
(3) سورة الأحزاب الآية 6.
(4) سورة التوبة الآية 24
(5) صحيح البخاري (14،15) ، صحيح مسلم (69 ـ 70) .