الصفحة 22 من 95

وذلك لأسباب:

أوَّلها: عدم قدرة جبهة النصرة على تحمُّل عبء إعلان دولة، انفرادًا منها بذلك، فهي مع كونها لا تتحقَّق فيها الشروط الشرعية للدولة، لا تستطيع من جهة واقعها أن تتحمَّل أعباء الحكم وتكليفاته وواجباته، ولا تستطيع منفردةً مجابهةَ ما سيواجَه به هذا المشروع من الخارج والداخل، ومن العدوِّ والقريب، ومن العميل والمخلص، ومن المغرَّر به والواعي. وهذا ما عبَّر عنه أبو محمدٍ الجولانيُّ نفسُه، برفضه لإعلان الدولة بخطابٍ علنيٍّ، مع ترجيح المجاهدين في العادة لإسرار مناصحاتهم وآرائهم المخالفة لبعضهم؛ كما نفعل الآن، إلا أنه -كما نظن- لخطورة الوضع؛ لم يجد من الإعلان بدًّا. وقولي: إن ممَّن سيجابه هذا المشروعَ قريبٌ ومخلصٌ وواعٍ؛ هو ما ينبغي أن يدركه كلُّ أحدٍ لا ينزع إلى تخوين الناس واتهامهم بالعمالة بقرائن واهيةٍ بل وبمحض الظنِّ كما يحصل من كثيرٍ من الإخوة، فأكثر أعيان البلاد ووجهائها ومشايخها، وأكثر الجماعات المجاهدة؛ لا يرون الظرف مناسبًا لإعلان إمارة حكمٍ، ويرون هذا تسرُّعًا واستباقًا لقِطاف ما لم يبدُ صلاحه، ويرونه يفسد الجهاد ويعين العدوَّ، وسواءٌ أوافق الناظر من يقول هذا أم كان له نظرٌ آخر؛ إلا أنه ولا بدَّ؛ سيعرف أن هذا سيحدث صداماتٍ في الساحة، ونزاعاتٍ كثيرة؛ لا تحتاج إلا إلى تحريشٍ بين المسلمين لتشتعل، وما أكثر أهلَ التحريش. هذا مع ما عند الفريقين من نظر ريبةٍ إلى الآخر، فكثيرٌ من الجماعات والأعيان عندهم تحسُّسٌ من تجربة العراق، ولا يثقون بإخواننا هؤلاء، ولا يرون عندهم انضباطًا شرعيًّا ولا فهمًا سياسيًّا يؤهِّلهم لترؤُّس دولةٍ تُلقَى فيها جهود المجاهدين، فلن يستجيبوا لهذا الإعلان لا رغبةً عنه، ولكن لما قدَّمْنا من رؤيتهم أنه تسرعٌ وأن أصحابه هم عندهم بتلك المثابة، فكيف سيلتقي الفريقان؟ وهذا يجعل المرء لو كان يتصوَّر قدرة مجموعةٍ على الانفراد على إعلان دولة؛ إلا أنه على الأقلَّ سيشترط في هذه المجموعة أن تكون قادرةً فعلًا على احتواء الآخرين، والصبر على أخطائهم وتجاوزاتهم، وإنصافهم والعدل معهم، والعمل على كسبهم واجتذابهم إلى صفِّها، وهذا ما لا نرى أيَّ جماعةٍ تستطيعه، مع شدة الحرب التي ستحارب بها إعلاميا وعلى الأرض، وسيتأثَّر بهذه الحرب كثيرٌ من حسان المقاصد ولا بدَّ، فليس عند إحدى الجماعات قدرةٌ على الوصول إلى الناس بما يكافئ ما ستصل به الأطراف الأخرى لتشويه صورتهم؛ باستغلال أخطائهم والكذب عليهم، وباستدراجهم هم أنفسَهم إلى سوء الظنِّ ببقية الجماعات، وهكذا يتلاعب العدوُّ بالساحة، فالواجب إغلاق الباب الذي سيدخل منه ما ليس لأحدٍ قِبَل بردِّه.

ثاني هذه الأسباب: أنَّ وجود الإخوة ثِقَلَه وقوَّتَه، هو في شرق سورية وشمالها، فلو أعلنوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت