وتتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى. وينظر إلى غالبه من عل ما دام مؤمنًا. ويستيقن أنها فترة وتمضي، وإن للإيمان كرة لا مفر منها. وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسًا. إن الناس كلهم يموتون أما هو فيستشهد. وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة، وغالبه يغادرها إلى النار. وشتان شتان. وهو يسمع نداء ربه الكريم:
{لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} ... [آل عمران: 196 - 198] ) [1]
ومن خلال هذه الحقيقة كانت حركة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض فهم يدركون جيدا هذه الحقيقة ويصدعون بها في وجه الجاهليات المختلفة (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) فالفارق واضح جدا من أن هذه الجاهليات كلها تعبد بعضها البعض فهي عبادة لغير الله.
أما الإسلام فهو عبادة الله وحده لا شريك له، عبادة رب العباد، هذه هي الركيزة الأولى:
التي يتميز بها الإسلام عن غيره من الديانات الأخرى و الركيزة الثانية أن الإسلام جاء بالسعة في الدنيا والآخرة، السعة الحقيقية لا السعة الظاهرة فقط لأرباب البصائر العليلة إنما هو نظر المستبصر الذي يرى بعين الحق ليس فقط أن متاع الدنيا قليل إذا قورن بمتاع الدنيا والآخرة أو متاع الدنيا فقط أو الآخرة فقط في الإسلام بل هذا المتاع الذي يوجد في الحضارات هو في الحقيقة ضيق وليس فيه سعة أبدا مهما بدا للناس من أنها السعة (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(7)
فقد كان متاع الدنيا قيدا لهم ليس فقط في عبوديتهم للدنيا وصدهم عن دين الله، بل هو أيضا قيد على فطرهم لا يستطيعون منه فكاكا إلا -من رحم ربى- فقد كان بعض الفرس والروم أثناء هزيمتهم من المسلمين وأثناء فرارهم نجد العجب فمنهم من يعطش ولا يستطيع الشرب لأنه تعود على شرب الماء في آنية الذهب والفضة ومنهم من لا يستطيع الأكل لأنه تعود على أن يأكل في جو يحيط به الموسيقى والخدم والغناء إلى غير ذلك من الأمور التي
(1) معالم في الطريق سيد قطب ص152