وإخوانه في أنحاء المعمورة. فلا أحد ينكر أن حسن البنا -رحمه الله- هو الذي أنقذ آلاف الشباب من الخمارات وغرز الحشيش وخرافات الصوفية، وشكلهم ونظمهم في كتائب منظمة في طول البلاد وعرضها تمتلئ بالحماسة والاستعداد للتضحية في سبيل الله؟ هذا الحشد الهائل الذي يرعب أعداء الإسلام من كثرته وعدده. لكن هذا العدد الضخم لم يتم تبصيرهم بحكم الواقع الكافر الذي يواجهونه وحقيقه لا اله الا الله -بل لبست عليهم الحركة فوصفت أكابر المجرمين وأئمة الكفر بأنهم أئمة المسلمين، وخلعت على الفجار الأشقياء مسوح الأولياء الأتقياء،
وعند قيام بعض أفراد النظام السري بالاعتداء علي بعض أفراد النظام العلماني، قال الإمام حسن البنا"عن هؤلاء الأفراد (ليسوا بإخوان وليسوا بمسلمين) "
نقو ل هذا -للأسف- مع وجود تنظيم قوي، وملايين من الأفراد التي تحيط بالحركة، ولكن المفاهيم المنحرفة لم تساعد علي المواجهة، ومن هنا لم تستغل كل الإمكانيات في المواجهة، ومن هنا تم التمكين للعلمانية، ثم بدلا من جهاد هذه الأنظمة، أصبح الجهاد مختزلا في صورة الاشتراك في المجالس النيابية، والتي تصطدم فكرتها مع الإسلام ابتداء، لأنها جزء غريب عنه متصل بنظام أخر غير الإسلام،
وهل يمكن أن يتم تطبيق الإسلام عن طريق العلمانية؟ أم أن الأمر في الحقيقة محاولة لاحتواء الإسلام ليصبح جزءا من العلمانية؟ وهل تبنيهم لمفهوم المواطنة الذي يسوي بين المسلم والكافر واعتماده طريقا للرباط بين أبناء الوطن إلا جزءا من هذا الطريق؟
لذا فلم يقتصر الأمر -في هذه الحركة- علي القضاء علي عملية مواجهة النظام العلماني فحسب بل تم أيضا تعميق عملية الالتباس علي الناس بالنسبة لهم بدخول المجالس النيابية والدعوة إليها، وهذا بدوره يعطي شرعية لهذا النظام، وإن كان للدخول -في نظرهم -غرض آخركما يدعون.
و في مصر خرج المستشار عبد القادر عودة [1] --- رحمه الله- قائلًا لمئات الألوف من المتظاهرين؛"انصرفوا راشدين"، رغم أن النظام القائم كان بين قاب قوسين أوأدنى من
(1) - ولي"المستشار عبد القادرعودة"-رحمه الله- أعمال القضاء، فكان المنارة الزاهية بين القضاة؛ لأنه أبى إلا أن يطبق قانون السماء ما وجد إلى ذلك سبيلًا، ورفض أن يقيد بقوانين الأرض، التي عجزت أن توفر لبني البشر أمنًا يفتقدونه وهدوءًا يبحثون عنه، وحبًّا يتوقون إليه.
كان جريئًا في الحق ولو خالفته الدنيا بأسرها؛ لأنه كان يحرص على مرضاة ربه قبل أن يفكر في إرضاء الناس. وقف إلى جوار حركة 23 يوليو 1952م، ظنًّا منه أن"عبد الناصر"سيحقق الخير الذي أعلنه على الناس، وقد أغضب في ذلك الكثير من إخوانه ومحبيه، ولما تكشفت أمامه النيات، وبدأت تظهر الحقائق، سلك الطريق الذي ألزم به نفسه في حياته- طريق الحق والصدق- قال له"عبد الناصر":"إنني سأقضي على كل من يعترض طريقي"، فأجابه الشهيد"عبد القادر عودة"في صراحة المؤمنين:"ولكن من يبقون منهم سيقضون بدورهم على الطغاة والظالمين"، وفي يوم 28 من فبراير 1954م خرجت جموع الأمة تطالب الحكام بالإقلاع عن الظلم وتنحية الظالمين، وزحفت الآلاف إلى ميدان عابدين تطالب الرئيس"محمد نجيب"بالإفراج عن المعتقلين، وتنحية الباطش، ومعاقبة الذين قتلوا المتظاهرين عند كوبري قصر النيل، وتطبيق شرع رب العالمين، وأدرك القائمون على الأمر يومئذ خطورة الموقف، وطلبوا من المتظاهرين الثائرين أن ينصرفوا، ولكن بلا مجيب، فاستعان"محمد نجيب"بالشهيد"عبدالقادر عودة"لتهدئة الموقف متعهدًا بإجابة الأمة إلى مطالبها.
ومن شرفة عابدين وقف الشهيد"عودة"يطلب من الجماهير الثائرة أن تنصرف في هدوء؛ لأن الرئيس"نجيب"وعد بإجابة مطالبها، فإذا بهذا الزاخر من البشر ينصرف في دقائق معدودة، وبمنطق الحكم الديكتاتوري الذي كان يهيمن على البلد حينذاك، كان لابد أن يصدر قرار في"عبد القادر عودة"، فإذا كان الشهيد قد استطاع أن يصرف الجموع الحاشدة التي جاءت محتجةً، تطالب بإطلاق الحريات وإفساح المجال للحياة السلمية الأصيلة، والوفاء بالوعود وتأدية الأمانات، فهو يمثل خطورةً على هذا الحكم الذي كان مفهومه لدى الحاكم أن يضغط على الأجراس فيلبَّى نداؤه، وعلى الأزرار فتتحرك الأمة قيامًا وقعودًا.
ومن هنا كانت مظاهرة عابدين هي أول وأخطر حيثيات الحكم على الشهيد"عبد القادر عودة"بعد ذلك بالإعدام، ولذلك لم يكن غريبًا أن اعتقل هو والكثيرون من أصحابه في مساء اليوم نفسه، ووقفوا على أرجلهم في السجن الحربي من الرابعة فجرًا حتى السابعة صباحًا، ويضربهم ضباط السجن وعساكره في وحشية وقسوة.
وقُدِّم"عبد القادر عودة"في تهمة لا صلة له بها ولا علم، وحكموا على الشهيد بالإعدام، ظنًّا منهم أن قتل"عبد القادر عودة"سيمضي كحدث هين لا يهتم به أحد، ولكن حاكم ذلك العهد"عبدالناصر"، لما رفعت له التقارير من جواسيسه عن أثر ذلك الإعدام في نفوس الناس، قال في حديث نشرته الصحف في وقته:"عجبت لأمر هذا الشعب، لا يرضى بالجريمة، ولكن إذا عوقب المجرم ثار عطفه على المجرمين"
وعندما نصح"عبد القادر عودة""جمال عبد الناصر"عام 1954م بضرورة إلغاء قرار حل جماعة الإخوان؛ مخافةً أن يتهور شاب منهم في حالة غيظ واندفاع، فيقوم بعمل من أعمال الاعتداء بعيدًا عن مشاورة قادة الحركة، أجاب"عبد الناصر":"كم عدد الإخوان؟ مليونان، ثلاثة ملايين ... إنني مستغنٍ عن ثلث الأمة، ومستعد للتضحية بسبعة ملايين إذا كان الإخوان سبعة ملايين"، وهنا غلب الذهول الشهيد"عودة"، وقال في ثورة:"سبعة ملايين ثمنًا لحياة فرد ... ما أغناك عن هذا يا جمال!".