الصفحة 108 من 121

العزيز (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [1] - وفي الطرف المقابل قوله تعالى {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ(54) } . [2]

فالغلظة في حق الأوائل كان دافعا للانفضاض عنه، حتي ولو كان خير الخلق محمد صلي الله عليه وسلم، حتي ولو كانت الهداية معه، والجنة معه، لأن الإسلام جاء يراعي البشرية ويحافظ على الفطرة والكرامة ويعتبرهم ولا ينتقص منهم ومن ذواتهم، إنما هو احترام لهم، وسعي بهم إلي تحقيق النجاة في الدنيا والآخرة، مما يبين أنهم قوم علي الفطرة، بالرغم مما علق بهم من جهل وجاهلية.

أما القوم الآخرون فقد أفسدت الجاهلية فطرتهم، فباتوا لا يرون إلا الذل طريقا، ولا عن الخنوع بديلا، صارت حياتهم لا تستقيم إلا بالخضوع الذليل، فتنفسوا الحياة في كنفه، فلم يروا بدا من السير في ركابه، فهؤلاء قوم فسدت فطرتهم، فلم يجدوا بحور الماء إلا مرارا، ولم يجدوا النور إلا ظلاما، اشتاقت أنفسهم للضلال فسعوا إليه، وماتوا من أجله، وصدق فيهم قوله تعالى {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ} الأنعام (179)

هذه صور قوم كانوا في الجاهلية والفرق بينهم ساطع واضح، أن الأوائل سعوا في إقامة الحق وحملوه إلي كل بقاع الأرض، أما الأواخر فقد حملوا الأمر، ولم يصل بهم الحال إلا إلي الرجوع والردة عنه، ومن هنا قالوا لنبيهم (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ 24) [3] فعاقبهم الله بالتيه فظلوا فيه، وعاشوا فيه، وماتوا فيه، فالأمة لابد أن تكون أمة حية تستطيع أن تحمل الحق، وتقوم بواجباته، أما الأمة المريضة الميتة فحملها للحق قد لا يطول، ثم سرعان ما ترجع وتعود إلى ما كانت عليه من جديد.

كما لا تعدم الأمة الخير كذلك لا تعدم الأمة الثورة فها هي ثورة أبناء سيناء ضد النظام الظالم لم يمكنه إلا الرضوخ وإعطائهم بعض حقوقهم وكذلك أهالي الإسكندرية ضد النصارى لإساءتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن قبلُ جهاد الشعوب المسلمة لطرد العدو الأجنبي المغتصب لكن للأسف كانت الكرة كل مرة تؤخذ من يدها وينسب النصر لغيرها - ولا نملك الآن إلا أن نقول قدر الله وما شاء فعل.

(1) - 159 آل عمران

(2) - الزخرف

(3) - المائدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت