بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد هو إليه، والصلاة على محمد نبيه. وبعد،
فهذه رسالة معمولة في معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" [1] .
وإعرابه: وقد جعلت هذا الحديث شاهدا لقوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا} أقول: وبالله التوفيق، وبيده أزمة التحقيق: معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"نعم العبد صهيب ... إلخ"أن صهيبا لما حلت قلبه الهداية، ولحظت مسعاه عين العناية، ونشطت في العبادة أعضاؤه، وكثر عن معاصي الله إغضاؤه، وتسربل بسربال التوفيق، وشاهد مشاهدة التحقيق، وترتقي إلى مراتب الخواص، وانتقل من العام إلى الخاص، خاف الله فلم يعصه امتثالا لأمره وعظمته، لا فرارا من ناره وطمعا في جنته، فالشرط مثبت بلو على مقتضى قاعدتها إذا كان في خبرها منفي. والجزاء يأتي على النفي كما كان قبل لو. فإن قلت: ما ذكرت من بقاء المنفي في الجزاء مخالف حكم لو
لأنها إذا دخلت على مثبت نفته، فعلى حكمها يكون صهيب خاف الله وعصاه. قلت: ما ذكرت من الحكم إنما هو فيما إذا لم يكن لوجود الجزاء مسبب إلا الشرط، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} فإنه ليس لرفع المنسلخ سبب إلا الشرط وهو المشيئة، وأصله إذا كان للجزاء سبب غير الشرط فلا تلازم بين الشرط والجزاء، ولا تعرض لها النية كما فيما نحن فيه، فإن لعدم العصيان سببين:
أحدهما: الخوف من عذاب النار والطمع في دخول الجنة، وهذه مرتبة العوام.
والثاني: مجرد الامتثال لأمر الله تعالى، وهذه مرتبة الخواص، أي أنه خاف الله تعالى امتثالا لأمره، فلم يعصه. ومن هذا النحو قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا} .
فإن قلت: قوله: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا} أن لو داخلة على مثبت فثبتته، فلزم عدم التولي ولا شك أن عدم التولي عن الحق خير، والخير قد نفاه الله تعالى عنهم في صدر الآية الكريمة.
قلت: الجواب ـ والله أعلم ـ ما تقدم من لو لم يخف الله لم يعصه من أن للجزاء سببا خلاف الشرط وهو التمرد والكفران لا الاستماع لآيات القرآن، فبقي الجزاء مثبتا كما كان قبل دخول لو، والشرط منفيا كما بقي الجزاء في (لو لم يخف الله لم يعصه)
باقيا على نفيه كما كان قبل دخولها، وأرى أني لم أسبق إلى هذا الجواب في الآية الشريفة، فإني وقفت على كتب جمة فما رأيت من حام حوله، ولا من جلى معضله وحوله.
الإعراب: قوله صلى الله عليه وسلم:"نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"نعم فعل ماض وضع للمدح، والعبد فاعل، وصهيب المخصوص بالمدح وهو مبتدأ مؤخر، والجملة قبله خبر مقدم بإضمار القول، هكذا قيل في إعراب جملة نعم وبئس. وإنما أقول: هو بدل أو عطف بيان. ولا يقال شرط البدل صحة حلوله محل الأول لأنه المقصود بالحكم، وشرط الفاعل هنا كونه محلى بالألف واللام أو مضاف لما هي فيه، أو لضمير ما هي فيه لأنا نقول مثل هذا مغتفر في الثواني والتوابع كما قيل في (رب شاة وسخلها) وجملة المبتدأ والخبر إنشائية معنى، خبرية لفظا، ولو لم يخف الله لم يعصه، لو حرف شرط غير جازم، ولم حرف نفي وجزم. ويخف مجزوم به، والجملة فعل الشرط، ولفظ الاسم الكريم من متعلقات يخف، ولو لم يعصه مجزوم بلم جواب الشرط. ونسبته جملة (ولم يخف الله لم يعصه) من الأولى استئنافية جواب سؤال مقدر تقديره: ما سبب مدحه؟ فقيل: (لو لم يخف الله لم يعصه) ـ والله أعلم.
[1] رقم الحديث: 565
(حديث مرفوع) حَدِيثُ:"نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ"، اشْتُهِرَ فِي كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ وَأَصْحَابِ الْمَعَانِي وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ، وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ، قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَرَأَيْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا، يَعْنِي الْعَسْقَلَانِيَّ، أَنَّهُ ظَفِرَ بِهِ فِي مُشْكِلِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ سَنَدًا، وَقَالَ: أَرَادَ أَنَّ صُهَيْبًا إِنَّمَا يُطِيعُ اللَّهَ حُبًّا لَهُ لَا لَمَخَافَةَ عِقَابِهِ، انْتَهَى، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ: لَمْ أَرَ هَذَا الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ لَا مَرْفُوعًا وَلَا مَوْقُوفًا وَلَا عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا عَنْ عُمَرَ مَعَ شِدَّةِ التَّفَحُّصِ عَنْهُ، وَقَالَ الشُّمْنِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمُغْنِي عَنْ وَالِدِهِ أَنَّهُ رَأَى بِخَطِّهِ مَا صُورَتُهُ: رَأَيْتُ الْحَافِظَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْعَرَبِيِّ نَسَبَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهْ إِسْنَادًا، وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى إِسْنَادٍ قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَبَعْضُ النُّحَاةِ يَنْسُبُونَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَمْ أَرَ إِسْنَادًا إِلَى عُمَرَ، وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُغْنِي وَقَفْتُ فِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ عَلَى حَدِيثٍ فِي تَرْجَمَةِ سَالِمٍ مَوْلَى حُذَيْفَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ:"إِنَّ سَالِمًا شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ كَانَ لَا يَخَافُ اللَّهَ مَا عَصَاهُ"، انْتَهَى، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، قَالَ: وَفِي سَنَدِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، انْتَهَى، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَكِنَّ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا:"إِنَّ سَالِمًا شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَا عَصَاهُ"، وَقَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ نَظْمِ التَّلْخِيصِ: كَثُرَ سُؤَالُ النَّاسِ عَنْ حَدِيثِ"نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ"وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَسَبَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ وَغَيْرُهُ إِلَى عُمَرَ، قَالَ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: لَمْ أَرَ هَذَا الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ لَا مَرْفُوعًا وَلَا مَوْقُوفًا لَا عَنْ عُمَرَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، مَعَ شِدَّةِ التَّفَحُّصِ عَنْهُ، انْتَهَى نَعَمْ، قَدْ وَرَدَ فِي سَالِمٍ، لَا صُهَيْبٍ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا:"إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِمَامَ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَحْجِبُهُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا الْمُرْسَلُونَ، وَإِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ شَدِيدُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَا عَصَاهُ"، أَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ. اهـ (الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة…) .