فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 396

قوله تعالى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) }

قوله تعالى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) }

(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ) يعني: موسى لعالمكم.

(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ) يعني: موسى لعالمكم.

(الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) وإنما أراد به التلبيس على قومه، لأنه علم أنهم لم يتعلموا من موسى، وإنما علموا السحر قبل قدوم موسى وقبل ولادته. اهـ (بحر العلوم) .

(الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) وإنما أراد به التلبيس على قومه، لأنه علم أنهم لم يتعلموا من موسى، وإنما علموا السحر قبل قدوم موسى وقبل ولادته. اهـ (بحر العلوم) .

فإن قيل: إنَّ فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حيَّة عظيمة، وذكر أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون، وآلَ الأمرُ إلى أنْ استغاثَ بموسى من شر ذلك الثعبان، فمع قرب عهده بذلك، وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة، ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزئ بموسى، ويقول: «أيّنا أَشَدُّ عذاباً» ؟

فإن قيل: إنَّ فرعون مع قرب عهده بمشاهدة انقلاب العصا حيَّة عظيمة، وذكر أنها قصدت ابتلاع قصر فرعون، وآلَ الأمرُ إلى أنْ استغاثَ بموسى من شر ذلك الثعبان، فمع قرب عهده بذلك، وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة، ويبالغ في وعيدهم إلى هذا الحد، ويستهزئ بموسى، ويقول: «أيّنا أَشَدُّ عذاباً» ؟

فالجواب: يجوز أن يقال: إنَّه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنَّه كان يظهر الجلادة والوقاحة تمشيةٌ لِنَامُوسِهِ، وترويجاً لأمره.

فالجواب: يجوز أن يقال: إنَّه كان في أشد الخوف في قلبه إلا أنَّه كان يظهر الجلادة والوقاحة تمشيةٌ لِنَامُوسِهِ، وترويجاً لأمره.

ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أنَّ العاجز قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ويدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذابَ الله أشدُّ من عذاب البشر، ثم إنه أنكر ذلك.

ومن استقرى أحوال أهل العالم علم أنَّ العاجز قد يفعل أمثال هذه الأشياء، ويدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذابَ الله أشدُّ من عذاب البشر، ثم إنه أنكر ذلك.

وأيضاً: فقد كان عالماً بكذبه في قوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر} لأنه علم أنْ موسى ما خالطهم ألبتة، وما لقيهم، وكان يعرف من سحرته ويعرف أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصَّلَ ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك قال هذا الكلام، فثبت أن سبيله في ذلك ما ذكرناه، وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كانوا في النهار سحرة، وفي آخره شهداء. اهـ (اللباب، لابن عادل) .

وأيضاً: فقد كان عالماً بكذبه في قوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر} لأنه علم أنْ موسى ما خالطهم ألبتة، وما لقيهم، وكان يعرف من سحرته ويعرف أستاذ كل واحد من هو، وكيف حصَّلَ ذلك العلم، ثم إنه مع ذلك قال هذا الكلام، فثبت أن سبيله في ذلك ما ذكرناه، وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كانوا في النهار سحرة، وفي آخره شهداء. اهـ (اللباب، لابن عادل) .

(لطائف لغوية)

(لطائف لغوية)

قال أبو حيان: أراد بالتقطيع والصلب: التمثيل، ولما كان الجذع مقرا للمصلوب، واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عُدّي بـ (في) وقيل: في بمعنى على. قاله الطبري:

قال أبو حيان: أراد بالتقطيع والصلب: التمثيل، ولما كان الجذع مقرا للمصلوب، واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف عُدّي بـ (في) وقيل: في بمعنى على. قاله الطبري:

وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجذعا

وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجذعا

قال أبو السعود: (فيها) أي (عليها) وإيثار كلمة (في) للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه.

قال أبو السعود: (فيها) أي (عليها) وإيثار كلمة (في) للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه.

وذكر الشوكاني: أي على جذوعها كقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) أي عليه ومنه قول سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا ... وذكر السيوطي: (في) بمعنى (على) تفيد الاستعلاء وأكد الزركشي: أن المصلوب لا يُجعل على رؤوس النخل، وإنما يُصلب في وسطها فكانت (في) أحسن من (على) . ونص أبو عبيدة وابن قتيبة والفراء والآمدي: على أنها بمعنى (على) .

وذكر الشوكاني: أي على جذوعها كقوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ) أي عليه ومنه قول سويد بن أبي كاهل: وهم صلبوا ... وذكر السيوطي: (في) بمعنى (على) تفيد الاستعلاء وأكد الزركشي: أن المصلوب لا يُجعل على رؤوس النخل، وإنما يُصلب في وسطها فكانت (في) أحسن من (على) . ونص أبو عبيدة وابن قتيبة والفراء والآمدي: على أنها بمعنى (على) .

وأجاز الزجاج: اشتراك (في) و (على) في هذه الآية. وقال الزمخشري: شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه فلذلك قيل: في جذوع النخل.

وأجاز الزجاج: اشتراك (في) و (على) في هذه الآية. وقال الزمخشري: شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه فلذلك قيل: في جذوع النخل.

تضمين (أُصلبنكم) معنى (أَثوِينكم أو أُكِنكُم) . والمتعدي بـ في يُبقي الحرف على أصله، أما أن ينوب عن غيره فغير مُحتفل به، فهذه الحروف تهي عن حفظ أنفسها وتحمُّل خواصها، وعواني ذواتها، فكيف بها تتجشم احتمال سواها، وأما التضمين فقد جمع الصلب إلى معنى التثوية والإكنان لإفادة المعنيين جميعا. فإن قيل: لم جاء التعبير بالصلب؟ قلت: لأنه أراد القتلة المعروفة بالصلب على وجه الخصوص، فهو يهددهم أن يجعل جذوع النخل لحودهم وقبورهم، وبهذه الطريقة البشعة يعرض شناعة الصورة وما فيها من مَهانة وتسفّل وسقوط من الفجرة السفَلة. أما إبدال حرف من حرف، ففيه من خَيْس الخاطر ما يدعو إلى اطّراحه، وهو لضعفه إذا ناب منابه جنى عليه وتكاءده، ومعروف أن الصلب يكون على الجذوع وليس فيها فلمَ جاء فيها؟ إن الحرف (في) إنما جيء به لإفادة التثوية والأكنان، فتكون الجذوع قبورا وأضرحة لهذه الأشلاء المُمثل بها لا لتثبيتها وتسميرها ولا تكون مِشْجبا تتعلق عليها. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالطاووس في تصوير المعنى، مَن أبطله من النحاة بحجة التعاور والتناوب فقد حص ذَيله فضاع أجمل ما فيه.

تضمين (أُصلبنكم) معنى (أَثوِينكم أو أُكِنكُم) . والمتعدي بـ في يُبقي الحرف على أصله، أما أن ينوب عن غيره فغير مُحتفل به، فهذه الحروف تهي عن حفظ أنفسها وتحمُّل خواصها، وعواني ذواتها، فكيف بها تتجشم احتمال سواها، وأما التضمين فقد جمع الصلب إلى معنى التثوية والإكنان لإفادة المعنيين جميعا. فإن قيل: لم جاء التعبير بالصلب؟ قلت: لأنه أراد القتلة المعروفة بالصلب على وجه الخصوص، فهو يهددهم أن يجعل جذوع النخل لحودهم وقبورهم، وبهذه الطريقة البشعة يعرض شناعة الصورة وما فيها من مَهانة وتسفّل وسقوط من الفجرة السفَلة. أما إبدال حرف من حرف، ففيه من خَيْس الخاطر ما يدعو إلى اطّراحه، وهو لضعفه إذا ناب منابه جنى عليه وتكاءده، ومعروف أن الصلب يكون على الجذوع وليس فيها فلمَ جاء فيها؟ إن الحرف (في) إنما جيء به لإفادة التثوية والأكنان، فتكون الجذوع قبورا وأضرحة لهذه الأشلاء المُمثل بها لا لتثبيتها وتسميرها ولا تكون مِشْجبا تتعلق عليها. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالطاووس في تصوير المعنى، مَن أبطله من النحاة بحجة التعاور والتناوب فقد حص ذَيله فضاع أجمل ما فيه.

إنه التهديد بالقوة الوحشية يعتمده الطغاة في كل زمن، ويُسلطونه على الأبدان في الصلب ليطول بهم المُقام في جذوع النخل وفي العراء فتأكل لحومَهم الطيرُ.

إنه التهديد بالقوة الوحشية يعتمده الطغاة في كل زمن، ويُسلطونه على الأبدان في الصلب ليطول بهم المُقام في جذوع النخل وفي العراء فتأكل لحومَهم الطيرُ.

إن الوحوش البشرية اليوم لا فرقَ عندهم بين إنسان يُخاطَب بالحجة وحيوان يُنهَش بالناب. وما أهون الدنيا في حس المؤمن الموصول بالله: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) يواجهون به الُملك والجاه والسلطان وقُوى الأرض الصغيرة والحقيرة، فيرتفعون على فتنة التمثيل والتمزيق بإيمانهم المستعلي على هذه الفتن، وعقيدتهم المنتصرة على أوهاق الجسد وجاذبية الأرض فكم كانت البشرية تخسر لو خسر هؤلاء أنفسهم في معركة العقيدة ... ما أتفه الحياة بلا عقيدة، وما أبشعها وأحطها حين يُسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد!.

إن الوحوش البشرية اليوم لا فرقَ عندهم بين إنسان يُخاطَب بالحجة وحيوان يُنهَش بالناب. وما أهون الدنيا في حس المؤمن الموصول بالله: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) يواجهون به الُملك والجاه والسلطان وقُوى الأرض الصغيرة والحقيرة، فيرتفعون على فتنة التمثيل والتمزيق بإيمانهم المستعلي على هذه الفتن، وعقيدتهم المنتصرة على أوهاق الجسد وجاذبية الأرض فكم كانت البشرية تخسر لو خسر هؤلاء أنفسهم في معركة العقيدة ... ما أتفه الحياة بلا عقيدة، وما أبشعها وأحطها حين يُسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد!.

وإن مظهر التمثيل والتمزيق والصلب والتثوية والإكنان صغير هزيل في حساب المؤمنين، ويحسبه الجبارون المتسلطون على الأجساد عظيما. فلا تخلد إن مررت بهذه الحروف إلى الإجْبال وتُطفئ ما توحيه من معانٍ على الوجه الذي هو أضْوَأ لها وأنوه، والحجة فيها أنْور وأبهر، فاشحذْ البصر، وفتق النظر لمعرفة وجه الحكمة فيها.

وإن مظهر التمثيل والتمزيق والصلب والتثوية والإكنان صغير هزيل في حساب المؤمنين، ويحسبه الجبارون المتسلطون على الأجساد عظيما. فلا تخلد إن مررت بهذه الحروف إلى الإجْبال وتُطفئ ما توحيه من معانٍ على الوجه الذي هو أضْوَأ لها وأنوه، والحجة فيها أنْور وأبهر، فاشحذْ البصر، وفتق النظر لمعرفة وجه الحكمة فيها.

صفوة المعنى من الحرف أتى ... طبقْ تركبه بعد طبق.

صفوة المعنى من الحرف أتى ... طبقْ تركبه بعد طبق.

اهـ (التضمين النحوي في القرآن الكريم) .

اهـ (التضمين النحوي في القرآن الكريم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت