يتصرفون فيها بالخصلة التي هي أحسن؛ وهي حفظ المال وطلب الربح فيه, والسعي فيما يزيده, وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه [1] , وهو ما ينصرف إليه معنى قوله تعالى {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ... } [2] , فإذا بلغ اليتامى [3] أمر الأولياء بدفع الأموال إليهم وتسليمها لهم, والدفع إليهم والتسليم لهم, مقيد بأمر ثان، هو العقل وهو موضوع المطلب القادم بمشيئة الله تعالى.
إن الأمر الثاني الذي قيد به القرآن الكريم تصرفات الإنسان المالية بعد البلوغ هو العقل المختبر بإيناس الرشد, الوارد في قوله تعالى: {َفإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [4] , وفي ذلك جمع بين قوة البدن وهي البلوغ, وقوة المعرفة وهي إيناس الرشد, فلو مُكّن
(1) . راجع الجامع لأحكام القرآن, للقرطبي, محمد بن أحمد الأنصاري, ج 10, ص 256. وفتح القدير للشوكاني, ج 3, ص 104/ 226. والبحر المحيط لابن حيان, ج 4, 252.
(2) . الأنعام, الآية: (152) .
(3) . البلوغ إما طبيعي أو حكمي, فالطبيعي هو ما تحقق بظهور علاماته؛ كالإنزال لدى الذكور, والحيض والحمل عند الإناث, والحكم هو ما قدر بالسن عند عدم تحقق علامات البلوغ الطبيعي, وقد اختلف في تقديره العلماء, فهو للذكور (18) سنة عند الحنفية والمالكية, و (15) سنة عند الشافعية والحنابلة, وبالنسبة للإناث فهو (15) سنة عند الجمهور وصاحبي أبي حنيفة و (19) عند أبي حنيفه, والذي نص عليه القانون السُّوداني (18) سنة) , أنظر حاشية: رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين, ج 5, ص 104. ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل, للحطاب, ج 4, ص 241, والشرح الكبير, للدردير, بحاشية الدسوقي, ج 3, ص 393, وأحكام القرآن للإمام الشافعي, ج 1, ص 138. والإقناع لطالب الانتفاع, للحجاوي المقدسي, ج 1, ص 155. وقانون الأحوال الشخصية للمسلمين 1991, المادة (215) وقانون المعاملات المدنية لسنة 1984, المادة (59) .
(4) . سورة النساء, الآية: (6) .