فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [1] , عتابًا للناس وتقريعًا عليهم لإخراجهم الردي من أموالهم, الذي ليسوا هم بآخذيه في ديونهم وحقوقهم من الناس, إلاّ أن يساهلوا في ذلك ويتركوا من حقوقهم ويكرهونه ولا يرضونه, والمعنى أي لا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع إلا أن ينقص لكم من ثمنه, فكيف ترضون في حق الله ما لا ترضون لأنفسكم, وحقه تعالى عليكم من أطيب أموالكم وأنفسها [2] , وقد قال جل ثناؤه: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [3] , وفي هذا السياق نجد أن عدم البغي في المخالطة, الذي جعله القرآن الكريم ضابطًا لتصرفات الإنسان المالية, هو شيمة القليلين من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين مدحهم الله سبحانه وتعالى, في ظاهر قوله تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ* إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ* قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ
(1) . سورة البقرة: الآية: (267) .
(2) . الجامع لأحكام, للقرطبي, ج 3, ص 326. الدر المنثور للسيوطي, ج 1, ص 610. فتح القدير للشوكاني, ج 1, ص 289. وأحكام القرآن لابن العربي, ج 1, ص 312.
(3) . سورة آل عمران: الآية: (92) .