الصفحة 12 من 21

الضلال. لأن قمة وتتمة المعنى تقتضى طرفين اثنين: الطرف الأول: العلم أي يعلم بنفسه بقدرته بقوته لا أن يتعلم.

الطرف الآخر: نفى نسيان العلم بعوارض وحوادث الحياة وطولها وكثرتها، كما قال الشاعر أحمد شوقى [1] في منفاه:

اختلاف الليل والنهار يُنْسِي ... اذكرا لي الصّبا وأيامَ أُنْسِي

وإذا كان في حق الإنسان أن يقال فيه: تذكر بعد نسيان فلا يليق بالله تعالى أن ينسى فيذكر أو يتذكر، إنما لا يليق به إلا هذا النفى بهذه الأداة بهذا الفعل الواسع الدلالة الرحب النطاق، دون أن ينغلق، ولا أن يختزل، ولا أن يقصر الظرف على (القرون الأولى) وإن كانت قرونا كثيرة وإن كانت الأولى على وزن (الفُعْلَى) ، فمهما كانت، فهي تمثل الماضى السحيق إلا أن موسى قد وسع المعنى بما يليق بالله الحقيق، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يقتصر المعنى على الماضي، وإن امتدت رحابه. ولعلنا نشتَمّ رائحة هذا المعنى في قوله -تعالى-:"والراسخون في العلم يقولون ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا .."؛ حيث تتجلى لمن يتدبر حقيقة المعنى أن الله تعالى قد منّ على عباده أولي الألباب الذين صفت لله بواطنهم، وخلصت له قلوبهم من شائبة زيغ وفتنة وشبهة- قد منّ عليهم منتين: - إحداهما: هي منة الهدى لابتغاء علم التأويل لما تشابه من كتاب ربهم، يتعلمون تأويله من معلمه الحق وهو الله الذي سخر لهم من يتلقى الوحي منه وبعثه لهم معلما؛ فتعلموه حتى كانوا فيه من الراسخين الذين لا تخدعهم شبهة ولا شهوة، وقد أفلس عندهم إبليس، لعنه الله، وحال بينه وبيهم نور علم التأويل، وحفظهم الله من إضلاله وإغوائه .. ؛ وهذه إحداهما. - أخراهما: هي منة التثبيت على هذا الحق بعد ذوقهم حلاوته؛ إذ إن الفتنة لا تؤمن على الأحياء، وإن كانوا علماء. فهاتان المنتان في حق الناس-عندي- تمثلان في حقهم أيضا مجاهدتهم أنفسهم والشدائد حولهم في عملين اكتسابيين: أحدهما: مجاهدة تعلم العلم، ءاخَرهما: مجاهدة نسيان هذا العلم بعد تعلمه. هذا في حق الناس، أما الفرق بين الله والناس، فهو أن الله لا يتعلم حتى يكون كالناس في أنهم يتعلمون بعد كونهم:"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا .." [النحل 78] ،"علم الإنسان ما لم يعلم" [العلق 5] ، وعلمك مالم تكن تعلم" [النساء 113] ، الناس في هذا عرضة للضلال، لكن الله -تعالى- لا يَضِل ولا يُضَل، إنما هو الذي يُضِل من يشاء، ويَهدي من يشاء. وهذا ما عناه موسى -عليه السلام- إذ سبح ربه أولا بقوله:"لا يضل ربي"، ومثلما كان الناس في عجزهم قبل العلم، هم هم في عجزهم بعده، لكن الله -تعالى- لا يعجزه شيء، ولا يغلبه شيء وهذا ما عناه موسى -عليه السلام- إذ سبح ربه ءاخرا بقوله:"ولا ينسى". وهذا ما عناه موسى -"

(1) - أمير الشعراء بمصر توفي قبل نحو قرن (1352) هجرية، جمع شعره في كتاب سمي: (الشوقيات)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت