الصفحة 13 من 21

عليه السلام- إذ سبح ربه بالثناء عليه نافيا عنه لكل عيب صغير وكبير، بقوله إجمالا:"لا يضل ربي ولا ينسى". نعم، لقد أراد موسى -عليه السلام- في هذا المقام أن يبرز لفرعون أن الله"ليس كمثله شيء"، وأن طغيان فرعون في ادعائه الربانية وزعمه الإلاهية محض افتراء وكذب، ليتجلى له الفرق بين الحق والباطل، تذكرة له وإقامة للحجة عليه. ولم يشأ موسى-عليه السلام- في هذا المقام أن يصرح بعقد مقارنة بين فرعون وبين الإله الحق، تحقيرا لشأن فرعون، ولعله في رغبته هذه عن التصريح بالمقارنة والمفارقة اتباعا لأمر الله -تعالى- أن يقول -هو وهارون- له قولا لينا .. ، وإن المقام يستدعي تلك الصورة الشاهدة بهذه المفارقة الخادة في نحو قوله -تعالى-:"قل هل من شركائكم من يَهْدِي إلى الحق قل الله يَهْدِي للحق أفمن يَهْدِي إلى الحق أحق أن يُتّبَع أمّن لا يَهْدِي إلا أن يُهْدَى فما لكم كيف تحكمون" [يونس 34] . أي أن فرعون إنسان لا يملك أن يهتدي إلا أن يهديه الله الذي يهدي إلى وللحق، فإذا كان قوله -تعالى-: (يَهْدِي إلى الحق) يبرز قدرة الله المعجزة، فإن قوله -تعالى- (يَهْدِي للحق) أقوى وأبلغ وأعظم وأقدر!.

12 -ثم ما أجمل التوقع لدى نبى الله ورسوله موسى -عليه السلام, فلم يسبب له سؤال فرعون مفاجأة ولا مباغتة لأنه قد أعد للقاء عدته وتهيأ لكل ما يمكن أن يدور في فلك فكر فرعون، وما يمكن أن يجول فيه, مع أن الله تعالى قد أجمل له في المهمة:"قولا له قولا لينا" [طه 44] . لقد أيقن موسى -عليه السلام- بأن مرمى فرعون هو الطعن في قدرة الله تعالى في علمه بالغيب الماضي, وهذا وحده يكفي دلالة على أن فرعون غير جاد في أمر الهدى والإيمان؛ فبدل أن يسأل سؤالا تعجيزيا عن سؤال في أمور يطول الحديث عنها، والإغراق في بعدها السحيق- إنه لو كان جادا لسأل عن القرون المستقبلة بل لو كان جادا -حقا- لسأل عما يعنيه هو في أمر الدين الحق؛ كأن يقول: فما بال ذنوبى؟، إنه لو قاله، لقال له موسى: الإسلام يجُبُّها! بل ويمكن أن يغفرها، بل وأن يبدّل سيئاتك حسنات! لكن فرعون يتأبى على أن يتذكر أو أن يخشى. ولو كان جادا حقا لسأل: وماذا لى عند ربى إذا أنا صدّقت، أو ءامنت، أو أسلمت، أو أحسنت؟، لو قاله لنوّره موسى وأخرجه من ظلمات الباطل والطغيان والتجبر والاستكبار والإفساد إلى نور الحق والإصلاح والسكينة!

13 -كما نلاحظ أن سؤال فرعون هذا إنما كان تعجيزا لموسى نفسه، الذي علم أنه مأزق عميق وأن الخروج منه يقتضى حنكة؛ فموسى لم يقل: (لا أعلم عنها شيئا) ، ولم يقل: (إنها القرون الأولى التى عاش فيها فلان وفلان وكان فيها كيت وكيت .. ) . إنما قال:"علمها"، أى أن لها علما, ليس استهانة بشأنها ففيها الخير وفيها الشر وفيها العمل وفيها الجزاء. وبهذا قد استطاع موسى -عليه السلام- ببراعته بهذه الإجابة أن يُحوج الخصم إلى تعلمها؛ إذ أبرز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت