الصفحة 2 من 21

يشير إلى إحصاء المواضع القرءانية لمادتي: الضلال والنسيان، إذ وردت مادة (ضلّ) مائة واثنتين وثمانين مرة، ومادة (نسي) -مع التحفظ على موضع واحد محل نزاع بين العلماء- خمسا وأربعين مرة. وفصل ثان: لتحديد معالم دقيقة لمنهج استعمال كل مادة على حدة، وهو باب له شواهده في سنن علماء المعاني. وفصل ثالث: لدراسة موسعة في قوله تعالى:"لا يَضِلُّ رَبّي ولا يَنْسَى"، لاستنباط الفرق الدلالي، وصياغته في قاعدة علمية منضبطة، بتحليل المقام واستدعاء مقتضياته البلاغية، ومقارنته مع جهود المفسرين وأصحاب المعاني والمعاجم وعلم الوقف. وفصل رابع: لتعزيز صحة القاعدة المستنبطة بدراسة موجزة في قوله تعالى:"أَنْ تَضِلَّ إحداهما فتُذَكّرَ إحداهما الأُخْرَى"، حيث قد توصل البحث إلى كشف حقيقية دلالية جديدة غير مسبوقة بشأن شهادة المرأة مقارنة بشهادة الرجل، ومزيد من الإيضاح بمواضع قرءانية.

الفصل الأول: رأيت أن أقف هنا على ذلك الموضع الواحد، الذي هو محل نزاع بين العلماء، وهو قوله تعالى:"مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ألمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"[البقرة: 106]؛

لأسباب: أولا: لأن النزاع فيه ينصب على الدلالة؛ والبحث هنا معني بالفروق الدلالية. ثانيا: ولأن استنباط قاعدة علمية لبيان الفروق الدلالية بين الضلال والنسيان يقتضي تخليص كل مادة مما يتداخل فيها ويتشابه معها دلالة، بل يجب ذلك في معناها وفي مبناها، ثالثا: ولبيان الدعوة إلي منهجية علمية لا تُسْلِم؛ ولا تُسَلّم لنتائج جهود العلماء قبل فحصها ونقدها وترجيح وجه الحق فيها. وقد حرصت على أن تكون هذه الوقفة مناسبة لمقتضى المقام الذي يعنى به هذا البحث، على أنني أري جدارة هذا الموضع ببحث مستقل في ترجيح القراءات القرءانية، والله المستعان.

ولذا فإنه يكفي -هنا- بيان نبذة عن هذا النزاع بين علماء التفسير والقراءات، مستشهدا ببعضهم دون جمعهم: فهذا الإمام الطبري (310) ، يقول:"اختلفت القَرّاء في قوله ذلك. فقرأها أهل المدينة والكوفة: (أو نُنْسِها) . ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من ءَاية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: (ما نُنسِكَ من ءاية أو نَنْسَخها نجئ بمثلها) ، فذلك تأويل النسيان. وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل ... عن قتادة قوله: (ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ، كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبي الله صلى الله عليه وسلم الآية أو أكثر من ذلك، ثم تنسى وترفع. ... عن قتادة في قوله: (ما ننسخ من ءاية أو ننسها) ، قال: كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء، وينسخ ما شاء ... عن مجاهد قال: كان عبيد بن عمير يقول: (ننسها) ، نرفعها من عندكم ... عن الحسن أنه قال في قوله: (أو ننسها) ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت