الصفحة 5 من 13

لقد اهتمت الأسرة العلمية، بالتوازي مع انبثاق الطلب الاجتماعي لصالح المحافظة على البيئة، بالعلاقة القائمة بين النشاطات الإنسانية و بين المحيط الطبيعي. إن هذه المسألة التي كانت حاضرة قبل الآن ضمن القضايا الفلسفية الإغريقية و الرومانية، لا تشكل طبعا شيئا جديدا، إلا أنها لم تتلق بداية جواب منهجي إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، عندما أشارت اللجنة الكندية للمحافظة على البيئة سنة 1915 إلى فكرة نقل رأس المال الطبيعي أو البيئي إلى الأجيال القادمة.

و تعددت التعاريف التي تحدد مفهوم التنمية المستدامة، لكن التعريف الأكثر تداولا و انشغالا يصفها بأنها:"تنمية تستجيب لحاجات الأجيال الراهنة دون تعريض للخطر قدرة الأجيال القادمة للاستجابة لحاجاتها أيضا" [1] . و منه تبرز الأبعاد الثلاثة لمفهوم التنمية المستدامة فيما يلي:

1 -البعد البيئي: تطرح التنمية المستدامة بتأكيدها على البعد البيئي على مبدأ الحاجات البشرية، السلم الصناعي، أي الحاجات التي يتكفل النظام الاقتصادي بتلبيتها. لكن الطبيعة تضع حدودا يجب تحديدها ... و احترامها في مجال التصنيع و الهدف من وراء كل ذلك هو التسيير و التوظيف الأحسن للرأسمال الطبيعي بدلا من تبذيره.

2 -البعد الاقتصادي: يبرز البعد الاقتصادي للتنمية المستدامة الانعكاسات الراهنة و المقبلة للاقتصاد على البيئة. إنه يطرح مسألة اختيار و تمويل و تحسين التقنيات الصناعية في مجال توظيف الموارد الطبيعية. ... و تمنح التنمية المستدامة، باعتبارها مؤسسة للتآزر بين الإنسان و البيئة، و الأفضلية للتكنولوجيات، ... و المعرفة و القيم التي تضع في الأولوية الديمومة الكبيرة. تدافع التنمية المستدامة عن عملية تطوير التنمية الإقتصادية التي تأخذ في حسابها على المدى البعيد، التوازنات البيئية الأساسية باعتبارها قواعد للحياة البشرية، الطبيعية و النباتية.

3 -البعد الاجتماعي و السياسي: و يعتبر هذا البعد خاصية تتميز بها التنمية المستدامة، إنه البعد الإنساني بالمعنى الضيق: إنه يجعل من النمو وسيلة للالتحام الاجتماعي و لعملية التطوير في الاختيار السياسي و لابد أن يكون قبل كل شيء اختيار إنصاف بين الأجيال بمقدار ما هو بين الدول.

و يتوقف ميدانيا نجاح مفهوم التنمية المستدامة و بشكل كبير على احترام حقوق الإنسان كما هو منصوص عليه في التصريح الدولي لمنظمة الأمم المتحدة سنة 1948: الحق في بيئة سليمة، الحق في تغذية سليمة و كافية، الحق في التربية، احترام الثقافات المحلية، إلخ. [2]

و مما يستدعي الاهتمام بمفهوم التنمية المستدامة ما أفاد به خبراء المناخ عن التغيرات الحادة في المناخ، و تبدو الظاهرتان مرتبطتان بدرجة كبيرة، فتغير المناخ يؤثر على الأفاق المرتقبة للتنمية و مسارات التنمية تحدد مستقبل المناخ، و على الصعيد العالمي يتعين على البلدان أن تعمل بطريقة متضافرة لإعادة صياغة الأنشطة البشرية من جديد. [3]

تمتد مسارات التنمية المستدامة إلى نتائج في المدى البعيد للأجيال القادمة و هذه المسارات لها أثر على: الفقر [4] و البطالة: التي تعبر عن التعطل الجزئي للقوة النشطة في البلد، و البيئة: حيث تطورت إنبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون -المسؤول الأول عن ظاهرة الاحتباس الحراري- بـ 80% ما بين سنة 1970 و سنة 2004، [5] يضاف إلى هذا أن لغاز CO 2 مدة بقاء طويلة جدا على الأقل تقدر بـ 200 سنة، [6] و مصدره الإنساني هو حرق الوقود الأحفوري (الغاز الطبيعي-البترول و الفحم) و حرق الغابات، و الغاز الثاني المتهم هو غاز الميتان المتأتي من توسيع زراعة الأرز المائي في آسيا و نمو قطعان النعام المشترة على مجموع القارات، في حين يصعب تقدير انتشار بقية الغازات. [7]

و هذه الغازات كانت السبب في نظر الأغلبية لتغير المناخ الذي سيتم الإحساس به مبكرا، و على نحو أكثر حدة من قبل البلدان الأقل نموا، على الأقل بالنسبة لحجم اقتصادياتها. إذ أن هذه الاقتصاديات أكثر اعتمادا على القطاعات الأكثر حساسية للمناخ (مثل الزراعة و صيد الأسماك و السياحة) ، و سكانها أقل صحة و أكثر

(1) منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة، العولمة و التنمية المستدامة; أي هيئات للضبط -12 ورقة للفهم، للتوقع، للنقاش-، بطاقة 2.أ.، AGP، وهران، الجزائر، 1998، ص.1 و 2.

(2) منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة، المرجع السابق، ص. 4.

(3) موهان موناسينغ، درجات الحرارة المتزايدة، مخاطر متزايدة، مجلة التمويل و التنمية، المجلد 45، العدد 1، مارس 2008، ص. 37.

(6) منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة، العولمة و التنمية المستدامة; أي هيئات للضبط -12 ورقة للفهم، للتوقع، للنقاش-، بطاقة 4 ب ص. 1.

(7) منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة، نفس المرجع، ص. 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت