الصفحة 39 من 44

الرسالة الأولى؛ إلى الأمّة ... إلى الشعب الجزائري المسلم ... إلى الأمة جمعاء ...

إلى الأمة التي آوت ونصرت وأيّدت وبذلت المال والعون، ودفعت الضريبة باهضة من مالها ودمها وأبنائها ...

إلى الأمّة المتطلّعة إلى فجر آمن ... وقرية مطمئنّة ... وذلك حقّها ...

إنّنا نقرّ أنّ الأمن مطلب اجتماعي هامّ، قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} ، ونحن نعلم أنّ من مقاصد الشريعة ووظائف الإمامة تحقيق الأمن في واقع الأمّة ... لكن يجب أن يُعلم أنّ هذا الأمن المنشود لا يتحقّق إلاّ بالحفاظ على الضروريات الخمس، وهي: الدّين والنفس والعرض والمال والعقل، فأوّلها الدين، ومتى لم يأمن المرء على دينه لم يكن آمنا، ولا يسمّى ما هو فيه أمنا ... وحفاظا على الدين شرع الله قتل وقتال المرتدّين، وجهاد الكافرين، ومن ذلك عزل الإمام الكافر وقتاله إن امتنع بشوكة، لأنّ من وظائف الإمام الحفاظ على الدين، وكيف يحافظ على الدين من هو كافر به، بل نصّ العلماء أنّ بقاء النّاس فوضى، وذهاب أرواحهم وأموالهم في الجهاد خير لهم من العيش تحت حكم الكافر، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} ، والفتنة هي الشرك كما قال المفسرون ... فتأمّل رحمك الله ...

نحن ندرك دوافع مطالبة الكثير من أبناء أمّتنا بمّا يراه سبيلا لتحقيق الأمن ... لكنّنا نطالبه بنظرة فاحصة للواقع بحثا عن قيمة ومكان الأمن فيه ... إنّ المسلم في طول العالم وعرضه، والجزائر بقعة منه، لا يأمن على دينه، فهو يفتن بكلّ أنواع الفتن، ولا يأمن على عرضه وماله ونفسه وعقله ... فكلّ شيء يسخّر لإفساد هذه الضروريات: البرامج التربوية، والبرامج الإعلامية، والقانون والإدارة والفنّ، حتى وزارة الشؤون الدينية، الكلّ يُسخّر لتمييع المسلم وتحطيم هذه الكلّيات التي جاءت الشريعة لحفظها، وأوجبت على الإمام الحفاظ عليها ... فأين الأمن في الواقع ... نعم يجب أن نعترف أنّهم يريدون أمنهم هم، وأمن مصالحهم ... ليتمكّنوا من أمّتنا دون رقيب ولا حسيب ولا مقاوم، ولنا الحقّ أن نسأل: لماذا المشاريع السائرة ضدّ مصالح الأمّة لا يستفتى فيها الشعب كقانون المحروقات والأسرة، وإلغاء شعبة العلوم الإسلامية، والمدارس الخاصّة ... وهلمّ جرا؟ فإذا كان الأمر هكذا: هل يليق بالعقلاء أن يقبلوا صفقة الخيانة والذلّ؟!

"إنّ جنايات الناس كُلِّهم مهما تنوعت، ومهما كبرت وعظمت، فهي لا شيء في جنب جريمة الكفر والشرك التي يقترفها الطواغيت وملؤهم، فهي - أي جريمة الشرك - أعظم جريمة اقترفت في الوجود، وجميع الجرائم الأخرى فهي دونها وتحتها وأقلّ منها، ومتفرّعة عنها، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ... } ، وهل يُشكر الطاغوت المجرم المتجبّر الذي يقتل ويسجن الألوف، ويأكل حقوق الخلق، ويسرق خيرات الأمّة ... ويحطّم آمالها وقيمها، إذا ما منّ على بعض فئات الشعب بشيء من الفتات ... أو إذا ما قتل الألوف واستحيا من أراد ... إنّ ذلك لشيء عُجاب ... إنّ أعداء الله لمّا تركوا شرع اللطيف الخبير، الذي يعلم ما ينفع العباد، ويُصلح دنياهم وأخراهم، ورفضوا حدوده التي تحفظ عليهم دينهم ومقاصده، والمصالح التي جاء لحفظها، وشرّعوا بدلا منها قوانين وتشريعات تعمل ليل نهار على هدم تلك المقاصد العظيمة والمصالح الأساسية التي أراد الله حفظها بتشريعه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فاستبيحت الحرم، وظهر الفساد في البلاد والعباد والأموال والذراري، كلّ ذلك تحت حماية ورعاية قوانينهم الوضعية الكافرة، وبحراسة تشريعهم الشركي النّكد، فدمّروا الأمّة، وحطّموا أمجادها."

فهل يُشكر أمثال هؤلاء - مع شركهم وجرائمهم وظلماتهم، وما اقترفته أيديهم النّجسة في حقّ دين الله وتشريعه وعباده الموحّدين - إذا ما عفوا عن بعض المظلومين والمستضعفين، وإذا ما رفعوا بعض ظلمهم الكبير عن الناس لوقت ما ولظرف عندهم، مع بقاء الظلم الأكبر والجريمة النكراء التي أخبر الله تعالى أنّها أعظم جريمة في الوجود؛ {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، لا نعمة ولا كرامة ولا حمدا لكافر متجبر، يحارب الله ودينه، ويسوم المؤمنين سوء العذاب إذا ما رفع ظلمه عن القليل منهم، ليس طاعة ولا استسلاما لحكم الله وشرعه، أو ابتغاء مرضاته، بل لتغطية جرائمه، ولترقيع باطله، وللتمويه على الطغام، ولبس الحقّ بالباطل، والنور بالظلام" [248] ."

يحلو للمجرمين اليوم التّباكي على الوحدة الوطنية، كتباكيهم على الأمن، وهم من نقض عراه.

وأريد أن أوضح لأمّتي تنبيها لحقائق الألفاظ ومآلاتها؛ الفرق بين توحيد الوطنيين وتوحيد المرسلين ...

"توحيد الوطنيين الوثنيين أو الوحدة الوطنية الوثنية، التي تجمع بين الشيوعي والعلماني والنصراني والديمقراطي والبعثي وسابّ الربّ والدين والمستهزئ بدين الله، وتؤلّف بينهم وتجمع صفوفهم في ظلّ أيّ مصلحة مزعومة أخرى ... هذا التوحيد هو توحيد الكفار أو توحيد الطواغيت أو توحيد المشركين، أو توحيد كفار قريش الذي كانوا يدعون النبي صلى الله عليه وسلم إليه ويساومونه عليه من أجل مصلحة العشيرة والقبيلة ووحدتها، ومن أجل مصلحة البلد أو المصلحة الوطنية، لكنه أبدا لن يكون توحيد المر سلين ومحال أن يكون، فتوحيد ربّ العالمين يفرّق بين أهل الحقّ وأهل الباطل، والوحدة الوطنية - الوثنية - تجمع وتؤاخي بينهم ... {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ... إنّ المطلوب الأول من المسلم الذي يريد تحقيق توحيده كاملا، هو البراءة من الشرك والمشركين وإن كانوا من أقرب المقرّبين إليه نسبا وموطنا، وإنّ بدعة الوحدة الوطنية الوثنية التي يشقشق بها كثير من الناس في هذا الزمان منافية ومضادّة للتوحيد الذي هو حقّ الله على العبيد، وبالتالي فلا يجوز العمل من خلالها أو تبنيها فضلا عن نصرتها وتأييدها وتدعيمها ... إلاّ أن يحكم الوطن ويستسلم مع أهله لشرع الله، ويبرأ من شرع الطاغوت، وحين يكفر المواطنون بكلّ ما يُعبد من دون الله، ويبرؤون من الشرك وأهله ويحقّقون توحيد الأنبياء والمرسلين، عند ذلك وعنده فقط سنكون أحرص الناس على الوحدة الوطنية، ومن أخلص جنودها، وسنلقي بجميع الخلافات الفرعية خلف ظهورنا، ما دامت هذه الوحدة قائمة على أصل سليم، هو توحيد ربّ العالمين، والبراءة من الشرك والمشركين، ودون ذلك سحقا سحقا لكلّ وحدة تتعارض مع ملّة إبراهيم وتوحيد الأنبياء والمرسلين" [249] .

"لقد فطن المجاهدون لكلّ أساليب الطواغيت ومخططاتهم والحمد لله، وأخذوا على عاتقهم مهمّة إصلاح الدين والدنيا بمحاربة المفسدين وتحريك الخاملين وتبصير المخدوعين، ولتعلم الأمّة أنّنا لم نكفر بالطاغوت أو نتبرأ منه أو نعاديه هو وأولياءه، لأجل سجنهم لنا وتعذيبنا ومطاردتنا، بل لأجل سجنهم للتوحيد، وتكبيلهم للشريعة وزنزنتهم للقرآن والإسلام وإقصائه عن دفّة الحكم واستبدالهم تشريعاتهم وتشريعات أوليائهم الساقطة المتهافتة بشرع الله الواحد القهار ... إنّ الخصومة معهم لم تبدأ بسبب سجننا أو تعذيبنا، ولن تنتهي بخروجنا من السجن والعذاب، وإنّما الخصومة كانت ولا زالت، لأجل شركهم وباطلهم وظلمهم العظيم، ولن تزول الخصومة بيننا وبين الطاغوت وأوليائه إن شاء الله ... لن تزول إلاّ في حالة واحدة لا غير، أن يتبرؤوا من كفرهم وشركهم وقوانينهم الوضعية وتشريعاتهم الشركية، ويتبعوا شرع الله وحده، وأسوتنا في ذلك النبيون من قبل، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} قال المفسرون رحمهم الله: {والذين معه} ؛ أي أنصاره من النبيين والصالحين الذين كانوا على طريقته، فهيهات هيهات أن نُفرّط في تلك الأسوة أو أن نحيد عن هذه الطريق أو أن نرضى بصفقة خاسرة وبيع مغبون، إنّهم يريدون منّا أن نبيع هذه الملّة العظيمة وندفعها ثمنا لحرية محدودة، أو راحة زائلة أو متعة فانية في هذه الدنيا المدْبرة" [250] .

"إنّ حصر المعركة مع الطاغوت ونظامه واختزالها وكأنها مجرد خلاف ومعركة على الوظائف والأعمال الدنيوية الخاصة ... هو نوع من الطعن والاستخفاف وسوء الظن بالمجاهدين وبجهادهم، وما قدّموه من تضحيات وشهداء في سبيل الله ...".

"وما لم يعودوا إلى الله وشرعه"مهما بذلوا لنا من عطاء الدنيا وزينتها، فالحرب بأمر الله ورسوله، قائمة وماضية مع هؤلاء الطواغيت المجرمين الظالمين إلى أن يفتح الله بيننا وبينهم بالحق - رضي من رضي وكره من كره - ... إنّ ما يُمنّون به المجاهدين إن تركوا الجهاد وصالحوا النظام، إنّما هو كمين واستدراج منهم للمجاهدين عسى أن يجرّبوا طعم الركون إلى الذلّ والهوان، وحياة الخمول والكسل، فيصعب عليهم بعد ذلك النهوض من جديد للجهاد وتحمّل تبعاته ... وهذا الذي يريده النظام ويسعى له" [251] ."

لقد رفضت جبهة التحرير مساومات فرنسا، ورفضت مشروع ديغول؛"سلم الشجعان"ووقف الشعب مساندا لها ... وجاء الاستقلال، فهل كانت جبهة التحرير يومئذ مخطئة ومجرمة حين رفضت الاستسلام لفرنسا؟! وها هو التاريخ يدور دورته ... ويحرم الشعب من ثمار الاستقلال، وينفرد أهل النفوذ بخيرات البلاد ... ويتحول حكام البلاد إلى عملاء موظفين عند اليهود والنصارى، وتنتهك حرمة الدين والأمّة، استعمار في ثوب جديد ... وحين نحمل السلاح، وذلك حقّنا، بعد أن فشلت السياسة مع أبناء الاستعمار، كما فشلت مع الاستعمار ... ويُعرض علينا مشروع ديغول بثوب المصالحة الوطنية والعفو الشامل ... ونحن نرفضه جملة وتفصيلا - طبعا هناك من يُخطّئنا كما خطّأ"جبهة التحرير"- ...

لكنّنا نقول لهم:

ستبيّن لكم الأيام وأحداثها صدق قرارنا، وقد عودناكم أنّنا لا نبالي بالصعاب ... إنّنا نتمنى أن تعود الأمّة بكافة شرائحها إلى دينها، ونتجنّد جميعا في صف وخندق واحد ضدّ أعداءنا من اليهود والنصارى وحلفائهم، مع علمنا؛ أنّ دون لعق الشهد إبر النحل ... ومن هاب صعود الجبال عاش أبد الدهر بين الحفر.

أيتها الأمّة الغالية:

مع ما يعيشه المسلمون من غزو عسكري وثقافي يرمي إلى سلخها عن دينها وأخذ ثرواتها واستعبادها،"كيف يمكن أن نقبل الدعوات الداعية إلى إخلاء الميدان أمام أعداء الأمّة المسلمة؟ كيف يمكن أن نسكت عن سعيهم في حرمان المسلمين من حقّ مقاومة أعدائهم، وهو الحقّ الذي يمارسه كلّ البشر؟ كيف يمكن أن نسكت عن تثبيطهم والأمّة تملك هذا المدد الهائل من الإمكانات والمجاهدين الصادقين؟ كيف يمكن أن نسمح لهذه الدعوات أن تسري بيننا وقد تعدّى المجرمون علينا بكافة أنواع التعدّي، ولم يرقبوا فينا حرمة ولا خلقا ولا إلاّ ولا ذمّة؟"

إنّ أيّ مسلم حريص على انتصار الإسلام، لا يمكن أن يقبل أيّ نداء إلى إيقاف الجهاد أو تعطيله، أو صرف الأمّة عنه، رغم وجود كلّ هذه الإمكانات التي أشرنا إليها ... ولا نكتفي فقط برفض أيّة دعوة لإيقاف الجهاد، بل إنّنا ندعو الأمّة بجميع طوائفها وشرائحها وفئاتها إلى الانضمام لقافلة الجهاد والسير في طريقه والتنافس في القيام به، والنكاية في أعدائها.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} " [252] ."

أيتها الأمة المسلمة:

بكلّ صراحة ... فإنّ استحضار واقع الأمّة المزري، واستحضار تمادي الطواغيت في البطش بالأمّة، وازدراءها وحربها في ثوابتها ... يجعلنا نتساءل: هل يجوز لنا أن نغفو عنهم لا أن نقبل عفوهم؟

والله بيننا وبينهم وهو خير الفاتحين.

[248] ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه، أبو محمد المقدسي.

[249] الفرق بين توحيد المسلين وتوحيد الوطنيين، أبو محمد المقدسي.

[250] ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه، أبو محمد المقدسي، بتصرّف.

[251] ردّ أبي بصير الطرطوسي على محمد سرور زين العابدين.

[252] الولاء والبراء عقيدة منقولة وواقع مفقود، الدكتور أيمن الظواهري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت