أو سدّوا المكان الذي سدّوا ..."إنّ القيم والأقدار وآثارها الحسان الممتدّة على مسارب الزمن لا تقوم بالجاه والمنصب والمال والشهرة وكيل المدائح والألقاب، وإنّما قوا مها وتقويمها بالفضل والجهاد وربط العلم بالعمل مع نبل نفس وأدب جمّ وحسن سمت، فهذه وأمثالها هي التي يوزن بها الرجال والأعمال" [253] ...
وليس العلم بكثرة الرواية، إنّما الخشية، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فبالعلم يرفع الله أقواما، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ، ويضع آخرين، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ... } ... ومن هنا ترى أنّ العلم قد يحمله الطيّب وقد يحمله الخبيث، وانقسم حملة العلم إلى علماء دين وملّة، وعلماء سلطان وضلالة، والمعصوم من عصمه الله، والقرآن حجّة لك أو عليك ...
ذكر شيخ الإسلام في القواعد الفقهية أنّّ المجتهد قد يشوب اجتهاده هوى فيكون له من الإثم بقدر ذلك الهوى، وهذا لا يكاد يسلم منه أحد في دقائق المسائل، كما قد يقع في الأصول الكبار عند الفتنة ... ولانضباط أدلّة الكتاب والسنّة وصعوبة تحريفها كان أغلب ما يخوض فيه هؤلاء باب المصلحة والمفسدة والتعلق بالنتائج العاجلة.
إنّ اتباع الهوى يعمي ويصمّ ...
"تعاموا عن كلّ ما يجتاب ديار المسلمين ويخترق آفاقهم من الكفر والشرك والزندقة والإلحاد، وفتح سبل الفساد والإفساد، وما يفد كلّ صباح ومساء من مغريات وشهوات وأدوات وشبهات تنتج تكفير الأمّة وتفسيقها وإخراجها نشئا آخر منسلخا عن دينه وخلقه ..." [254] .
تعاموا عن كلّ هذا وسلم منهم عبدة الطاغوت، أعداء الأمّة والملّة، وسلقوا إخوانهم بألسنة حداد، فكانوا أحقّ بوصف الخوارج ... ما تركوا لمزا وبهتانا إلاّ ألصقوه بالمجاهدين، وهذا البهتان قد يوجب ردّة للقائل نفسه كما قال لمن عمل بالإسلام: رجعي، متخلّف، كما ترى تقريره في أبواب الردّة من كتب الشريعة الحديثية والفقهية [255] ...
إنّ الخصم الشريف لا يرضى لنفسه أن ينازل خصما ضعيفا، ولا أن يطعن خصمه في الظهر ... حين ضعفت شوكة الجهاد، أجلبتم بخيلكم ورجلكم بألسنة حداد تلفح ظهور المجاهدين، تهرولون إلى أحضان الطواغيت، تستجدون بأعراض ولحوم إخوانكم غنيمة باردة ... لا عن قناعة شرعية أو حنكة سياسية ... قال تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} ، والأيام دول والحرب سجال.
قال ابن أبي العزّ - شارح الطحاوية: (وإن كان العبد عاجزا عن معرفة بعض ذلك أو العمل به، فلا ينهى عمّا عجز عنه ممّا جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، ولكن عليه أن يفرح بقيام غيره ويرضى بذلك، ويود أن يكون قائما به) .
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ، قال رحمه الله: (فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يُرجفوا بالناس ولم يُثبطوهم وهم محسنون في حالهم ... ) اهـ
لكن واقعكم"حشف وسوء كيل"؛
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكمو
وعين السخط تبدي المساوئا ..."وفي مجمع الأمثال: (أجبنا وغيرة؟!) ، بل أجبنا وحسدا؟! قد قعدتم وأخلدتم إلى الأرض، وبعتم الدين والعرض، بل والشرف والمروءة، وتبرّأتم من دينكم وجهاده، واستحييتم من تبنّي حدوده وخجلتم من شرائعه ... ويتمنى كثير منكم لو أمكنه حكّ آيات الحدود، وغسل نصوص الجهاد وإزالتها من قرآنه."
فبأيّ حقّ يجوز لكم بعد هذا أن تتكلّموا عن الجهاد، وتُنظّروا في ثمراته، أو تزاودوا على شهدائه وأبطاله؟ أو يمكن أن تصير النائحة الكاذبة المستأجرة في حال من الأحوال أصدق وأخلص من النائحة الثكلى.
اسمعوا أيها المنهزمون:
المجاهدون ليسوا بحاجة إلى تنظيركم المتهالك تحت أقدام حضارة الغرب الزائفة ولا لتحليلاتكم المندحرة والمنهزمة تحت دساتير الأنظمة العميلة، وأسيادها في واشنطن ولندن وباريس وبرلين ... المجاهدون ليسوا بحاجة إلى أشباه رجال أو إلى مفكرين مدجنين مخنثي العزائم أو إلى علماء عملاء مأجورين منهزمين ليستفتونهم قبل كلّ عمل جهادي، أو يستشيرونهم: هل هذا يناسب أفكاركم وعقلكم المعيشي؟ وهل يصلح القيام به حسب تنظيركم أو لا يصلح؟ لا، فهم ليسوا بحاجة إلى ذلك، وعندهم من الفقه والبصيرة ما يغنيهم ... فموتوا بغيظكم أيّها المندحرون، وواصلوا نقدكم للمجاهدين وجهادهم أو كفّوا، فالأمر عندنا سيّان، ولن تفتّوا بذلك أبدا من عضد المجاهدين، ولن تؤثر أقلامكم المسمومة بجهادهم بإذن الله، كما لم يؤثّر فيه حديد ونار أسيادكم وحربهم وحرابهم" [256] ..."
التثبيط والإرجاف والتخذيل، نعوت خسيسة لو اتّصف بها العوام الأمر يهون، أمّا أن يكون العلماء والنخبة هم رأس الحربة في هذه المهمة الدنيئة، هذا هو الغريب المستغرب ...
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاء أحدهم قالوا له: ويحك أجلس فلا تخرج، ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر، أن ائتونا بالمدينة فإنّا ننتظركم، يثبطون عن القتال ... قال الله فيهم: {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} ، وهذا السّلق بالألسنة يكون بوجوه: تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فإنّكم أنتم الذين دعوتم الناس لهذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم، فإنّ هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة، وتارة يقولون: أنتم أشرتم علينا بالمقام هنا والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت وإلاّ لو كنّا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا، وتارة يقولون: أنتم مع قلّتكم وضعفكم تريدون أم تكسّروا العدوّ وقد غرّكم دينكم ... وتارة يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم، وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذي الشديد) [257] .
وقال في صفحة أخرى: (وهكذا لمّا قدم هذا العدوّ كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغي الدخول في دولة التتار، وقال بعض الخاصّة: ما بقيت أرض الشام تُسكن بل ننتقل عنها، إمّا إلى الحجاز واليمن وإمّا إلى مصر، وقال بعضهم بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما استسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم) اهـ.
وما أشبه اليوم بالبارحة، والله المستعان.
من المؤسف حقّا أن تتهاوى رموز الطلائع، يسبّحون بحمد الطواغيت ويباركون مشاريعهم المشؤومة منادين بالمصالحة. تنادون بها على أيّ أساس ... على أساس أن يكون الدين كلّه للطاغوت كما هو سائد ومعمول به، أم على أساس أن يكون الدين كلّه لله. تزيّنون الركون للطواغيت الظالمين والدخول في موالاتهم وطاعتهم ... اتّقوا الله. أهذا الذي تلقون عليه الله بعد أن علاكم الشيب وبلغتم من العمر عتيّا؟!
الواجب على أهل العلم حفظ العلم وتبليغه، وترك أهل العلم لتبليغ العلم الواجب عليهم كترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم ... وإذا سكت العالم تقية ومصلحة، متى يظهر الحقّ - كما قال الإمام أحمد؟! -
إلى متى تتهرّبون من إسقاط الأحكام على الواقع ... لقد أجرمتم يوم سكتم عن قول الحقّ ... وأجرمتم يوم حرّفتم الكلم عن مواضعه، وها أنتم تضيفون سيّئة إلى سيّئاتكم جزاءا وفاقا، وتدعون إلى الديمقراطية الكافرة والدخول تحت حكم عبّادها ... عجيب أن تمجّدوا في كتبكم وخطبكم مواقف سعيد بن جبير وأحمد بن حنبل وابن تيمية رحمهم الله وغيرهم من علماء الملّة ثمّ تتأسوا في واقعكم بابن باعوراء وابن العلقمي الرافضي ... كان وزيرا للخليفة العباسي الذي استوزره ووثق به، وبدلا من الوفاء للأمانة المُناطة به في حفظ الدولة والمنافحة عنها، فإنّه راح يتآمر مع التتار لاحتلال بغداد وإسقاط الخلافة بتسريح الجيش وإفراغ الثكنات، حتى إذا تهيأ الجو لغزو العراق كاتب التتار ... ومع كلّ ما قام به هذا الخبيث من تآمر وخيانة لدولة المسلمين إلاّ أنّ الله تعالى لم يهمله طويلا، فقد أذلّه الله تعالى على يد التتار أنفسهم بعد أن قضوا به حاجتهم ومات في غيظه وكمده، قبّحه الله ... ابن العلقمي هو الذي استقبل هولاكو وجيشه أثناء دخول بغداد وهو الذي أشار على الخليفة بالذهاب إلى هولاكو لغرض المصالحة، بغية الإيقاع به، وحين ذهب الخليفة مع سبعمائة راكب من القضاة والأمراء والأعيان، حجبوا عن الخليفة إلاّ سبعة عشر نفرا وقتل الباقون عن آخرهم، وقتل الخليفة رفسا بالأقدام ... يا حملة العلم ويا روّاد السياسة أترضون بخيانة ابن العلقمي ونهايته {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} .
وهاكم شهادة الجاسوس الفرنسي"ليون روش" [258] في كتابه اثنان وثلاثون سنة في الإسلام أصدره سنة 1884م بعد أن ادّعى الإسلام وتسمّى"الحاج عمر بن عبد الله"يقول: (اعتنقت الإسلام زمنا طويلا لأدخل على الأمير عبد القادر الجزائري دسيسة من قبل فرنسا، وقد نجحت في الحيلة ... ثمّ بحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين فوجدته قد ملأها شجاعة وشهامة ووداعة وجمالا وكرما ... إنّه دين المحامد والفضائل، ولو وجد رجالا يعلمونه الناس حقّ التعليم ويفسرونه تمام التفسير لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين، ولكن وجد بينهم شيوخ يحرّفون كلمه ويمسخون جماله، ويدخلون عليه ما ليس منه، وإنّي تمكّنت من استغواء بعض هؤلاء الشيوخ في القيروان والإسكندرية ومكّة، فكتبوا إلى المسلمين في الجزائر يفتونهم بوجوب الطاعة للفرنسيين، وبأنّ لا ينزعوا إلى الثورة وبأنّ فرنسا خير دولة أخرجت للناس، ومنهم من أفتى بأنّ فرنسا دولة إسلامية أكثر من الدولة العثمانية، وكلّ ذلك لم يكلّفني إلاّ بعض الآنية الذهبية.
انّ هذه الفتوى التي أشرف على المصادقة عليها أمير مكة يومئذ، والتي قرئت في الأسواق والخيام ومجالس الصوفية، قال عنها فرنسي آخر: (إنّه - أي روش - بهذه الفتوى قدم أكبر خدمة للهيمنة الفرنسية على الجزائر) ، فتأمّلوا ... !
لقد كثرت تلبيساتكم الشيطانية ... زعمتم أن الجهاد في سبيل الله لا يأتي منه إلاّ الفساد والشر، وأنّه أضر بمصالح المجتمع ... وهذا الزعم من قبيل ظن السوء بالله تعالى وبشرعه ودينه، وكان الأولى أن تظنّوا ذلك بأنفسكم، وأنّ الشر يأتي من أنفسكم الأمّارة بالسوء ... إنّكم أعلم من غيركم بانتشار الفساد والانحلال وسريان الأفكار والدعوات الهدامة في المجتمع تحت حماية أولي أمركم ... الواقع فساد في فساد، والذي يرقى إلى درجة الكفر المغلظ والمركب، هذا الفساد المسؤول عنه أولا وآخرا الحاكم ... وليس المجاهدون.
هؤلاء المفسدين المجرمين، الذين أساءوا للبلاد والعباد، وساموهم سوء الذلّ والكفر هم السلطة الحاكمة. هم من تطالبوننا بالمصالحة معهم والركون إليهم والدخول في طاعتهم ... لقد تبنّى جيش الإنقاذ هذا الخطاب ووضع السلاح، فماذا كانت النتيجة؟ مزيدا من الذلّ والكبت والفساد والظلم والكفر والفجور [259] .
إنّ الثابت أنّ الشر كلّ الشر يكمن في تخلي المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {كتبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} هو خير رغم ما يترتب عليه من آلام وجراح وقتل وقتال لأنّه يندفع به ضرر أكبر، فهومن هذا الوجه خير راجح {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} ، وهو الركون إلى الدنيا وترك الجهاد لما يترتّب عليه من مفاسد عظيمة، فإن بدا لكم خلاف، فاعلموا أنّ {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [260] ...
إنّ التعلل بالمصالح حديث تتضح فيه المصلحة بذكر ضوابطها، وهي:
-أن تكون ضرورية مستندة على الضروريات الخمس.
-أن تكون كلّية منفعتها لكلّ المسلمين.
-أن تكون قطعية لا تبطل دليلا أو أصلا آخر.
-أن لا يفضي الأخذ بها إلى مفسدة أعظم منها أو مساوية لها.
-أن لا يفضي الأخذ بها إلى تفويت مصلحة أعظم منها أو مساوية لها.
ويبقى لمن أراد القول بالمصلحة؛ أن يحقّق ركنا مهمّا من ركني القول بها، وهو فقه الواقع للحالة التي يريد تحديد المصلحة والمفسدة لها، لكي يتحقّق المناط في محل الفتوى قبل إنزال الفتوى عليها ... وأنتم تعلمون أنّ أعظم مفسدة هي الشرك، وأنّ المصلحة المفضية إلى تعطيل الجهاد بالكلّية لاغية، قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أَنفسهم ظُلْمًا وَعُلُوًّا} .
قال الشيخ سليمان بن سحمان: ( ... وذلك أنّك جعلت الأمر المسوّغ للدخول في طاعتهم هو استجلاب مصالح المسلمين وإعزاز أهل الدين ... وقد ذكر أهل العلم أنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، فدرء مفسدة قمع أهل الحقّ، وعدم إظهار دينهم واجتماعهم عليه والدعوة إلى ذلك، وعدم تشتيتهم وتشريدهم في كلّ مكان مقدم على جلب مصلحة الإنكار على ولاّة الأمور مع قوتهم وتغليبهم وقهرهم وتغلّبهم، وعجز أهل الحقّ عن منابذتهم وإظهار عداوتهم والهجرة عن بلادهم، بمجرد الدخول في طاعتهم في غير معصية الله ورسوله ... وإذا كان الحال على ما وصفنا، فمراعاة درء مفسدة قمع أهل الحقّ وتشريدهم وتشتيتهم وإذلالهم، وإظهار أهل الباطل باطلهم وإعلاء كلمتهم على أهل الحقّ، واحترامهم وعدم معارضتهم؛ مقدم والحالة هذه على مصلحة الإنكار على ولاّة الأمور من غير قدرة على ذلك، لأجل تغلّب أهل الباطل وعجز أهل الحق عن منابذتهم، وعدم تنفيذ الأمور التي يحبها الله ويرضاها ... وزيّن لكم الشيطان الاستدلال بصلح الحديبية - فقد أبعدتم النجعة - فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في ولايتهم ولا صالحهم على الدخول فيها، بما التزمه لهم وأجابهم فيه بما يعظمون به حرمة من حرمات الله، فأين هذا ممّا أنتم فيه؟ فإنّ الولاّة المذكورين لم يكن بينهم وبينهم مصالحة ولا طلبوا أمرا يعظمون به حرمة من حرمات الله، فتجيبوهم إلى ذلك وتعينوهم عليه فما وجه الاستدلال بكلام ابن القيم لذلك، والحالة غير الحالة؟!) [261] .
زعمتم أنّ الجهاد وصل إلى طريق مسدود.
وعين الرضى عن كلّ عيب كليلةٌ
للنّاركانت خدعة وتصنّعا ... فها هي جماعاتكم وأحزابكم وجمعياتكم ودعواتكم مرت عليها عقود تلو عقود ولم تقم للإسلام دولة، والإسلام يتميع في النفوس والأسر والمجتمعات ووصلتم إلى طريق مسدود ومصدود، فلم لا تراجعون أنفسكم وتغيّروا مناهجكم؟ ... وها هو الطاغوت، تتغير الحكومات تلو الحكومات، وبرامج تدفع برامج، والأمة من درك إلى درك أسفل منه، لم لا تقولون عنها أنّها وصلت إلى طريق مسدود، وتطالبوها بالتخلي عن الحكم؟ ... ليتكم كما طالبتمونا بوضع السلاح، طالبتم الطاغوت أن يتوب من شركه وظلمه، ويعود إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ... ليتكم تعترفون أنّكم اليوم تتكلمون وتتقوّتون من تضحيات المجاهدين وثباتهم ... وليتكم تعترفون أنّ من أسباب ما وصل إليه الجهاد خذلانكم للمجاهدين ووقوف بعضكم في عدوة المرتدّين، ولو قُدّر - لا قدّر الله - أن أُخمد الجهاد فستتجرّعون المرّ أضعافا مضاعفة.
و إذا السياسة لم تفوّض أمرها
للحقّ والرشاش إن نطقا معا ... إنّي رأيت الكون يسجد خاشعا
وإن كان لابدّ من كلمة لأهل السياسة، أصحاب المطالبة والمغالبة فأقول:
إنّ رفع شعار الإسلام والتحدّث باسمه وباسم الأمّة، خطوة لها ما بعدها ... لقد وعدتم وزمجرتم ... وحين قعقع السلاح ... انكشف الحال، فكانت جعجعة بلا طحين، وتركتم الأمّة تدفع الثمن، بخلتم بمالكم وأرواحكم وأبنائكم، وكأنّ دوركم ينتهي بخطبة رنانة، أو ينتهي بانتهاء دورة الخريف والربيع، وأخذ المرتّبات ... إنّ موازين القوي في العالم تغيرت، ومخطّطات الأعداء تعزّزت، وسيوف الجهاد سلّت، وعقلية اليوم غير عقلية التسعينات، فأفيقوا إن أردتم أن لا يفوتكم القطار ...
"إنّ الإسلام مراحل وأطوار، منها طور الجهاد ... وكلّ مرحلة توصل للتي تليها، فإن أردتم أن تسقطوا مرحلة سقطتم، لقد عجزتم أن تواصلوا الطريق بالأمّة إلى منتهاه ... لا تبحثوا عن المعاذير ... وقولوها بصراحة: أصابنا الوهن ... وكفّوا عن الحديث باسم الأمّة التي خذلتموها، كفّوا ... وافسحوا الطريق لطلاّب الشهادة ... نعم، إنّ المسلمين يمرّون في هذا العصر بحال من الضعف وتسلط الأعداء شديد وهم لا يملكون من القوة والعتاد ما يمكنهم من البدء بقتال الكافرين وتحقيق النصر عليهم ومع ذلك لا يزالون يملكون من القوة والسلاح ما يمكن بعضهم من الإستمرار في الجهاد ولو بمعناه الدفاعي ... ومن أمضى الأسلحة التي لا يزال يملكها المسلمون سلاح الشهادة ذلك السلاح الذي لا يزال مع قدمه يطاول أعتى ما اخترعته قوى الشر من وسائل الفتك وأدوات التدمير إنّه السلاح الذّي لا يمكن لتقنيتهم أنّ تخترع له مضاد ... فصار قصار النظر هم الذّين لا يرون في ذلك إلاّ نوعًا من الإلقاء إلى التهلكة ... أما أهل العلم والفقه فيعلمون أنّ إهلاك النفس في سبيل الله هو السبيل إلى إحيائها الحياة الحقيقية ... فيا أيّها المتريثون لا بأس أنّ تبقوا على تريثكم واعتدالكم، ولكن أفسحوا الطريق لطلاب الشهادة الساعين في تكميل مهر الحور العين فإن لم تكونوا لهم معينين فلا أقل من أن لا تكونوا من المثبطين المخذّلين وإلاّ فلستم من الناصحين الذّين عذرهم الله في قعودهم وتركهم جهاد الكافرين" [262] .
ومن بقيت فيه جذوة الإيمان ونخوة الرجولة أقول:"إنّنا نمد أيدينا لكل مسلم حريص على انتصار الإسلام حتى يشاركنا في خطة لإنقاذ الأمة من واقعها الأليم ترتكز على البراءة من الطواغيت ومعاداة الكافرين وموالاة المؤمنين والجهاد في سبيل الله، خطة عمل يتنافس فيها كل حريص على الإسلام في دياره ثم نشر دعوته بين العالمين" [263] .
[253] تصنيف الناس بين الظنّ واليقين، لبكر أبي زيد: ص7.
[254] تصنيف الناس: ص39.
[255] تصنيف الناس: ص24
[256] الكلاب تنبح والقافلة تسير لأبي محمد المقدسي.
[257] المجموع: 28/ 456 458 بتصرّف.
[258] سبق ذكره في المثال الأول من المساومات.
[259] ولو فعل البقية الباقية من المجاهدين صمام الأمان للبلاد والعباد نفس الخيانة فإنّ الأوضاع لن تزداد إلاّ سوءا وخرابا وفسادا ... حيث لم يعد يبقى أمام طواغيت الحكم من يحسبون له أيّ حسابا, فيزدادون طغيانا وظلما.
[260] أنظر الرد على السرور والرد على مبادرة الجماعة الإسلامية المصرية لأبي بصير الطرطوسي.
[261] أنظر الأجوبة النجدية.
[262] مراحل تشريع الجهاد101106 بتصرف.
[263] الولاء والبراء للظواهري.