14 -أَبُوْ حَنِيْفَةَ: قَالَ: كُنَّا مَعَ عَلْقَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِيْ رَبَاحٍ، فَسَأَلَهُ عَلْقَمَةُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّ بِبِلَادِنَا قَوْمًا لَا يُثْبِتُوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ الْإِيْمَانَ، وَيَكْرَهُوْنَ أَنْ يَقُوْلُوْا: إِنَّا مُؤْمِنُوْنَ [ص: 61] ، بَلْ يَقُوْلُوْنَ: إِنَّا مُؤْمِنُوْنَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَقَالَ: وَمَا لَهُمْ لَا يَقُوْلُوْنَ؟ قَالَ: يَقُوْلُوْنَ: إِذَا أَثْبَتْنَا لِأَنْفُسِنَا الْإِيْمَانَ، جَعَلْنَا لِأَنْفُسِنَا الْجَنَّةَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، هَذَا مِنْ خِدَعِ الشَّيْطَانِ وَحَبَائِلِهِ، وَحِيَلِهِ أَلْجَأَهُمْ إِلَى أَنْ دَفَعُوْا أَعْظَمَ مِنَّةِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَخَالَفُوْا سُنَّةَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ، يُثْبِتُوْنَ الْإِيْمَانَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَذْكُرُوْنَ ذَلِكَ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَ: إِنَّا مُؤْمِنُوْنَ، وَلَا يَقُوْلُوْا: إِنَّا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَوْ عَذَّبَ الْمَلَائِكَةَ الَّذِيْنَ لَمْ يَعْصُوْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا عِنْدَنَا عَظِيْمٌ، فَكَيْفَ نَعْرِفُ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: يَا بْنَ أَخِيْ! مِنْ هَا هُنَا ضَلَّ أَهْلُ الْقَدْرِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَقُوْلَ بِقَوْلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللهِ تَعَالَى الرَّادُّوْنَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، أَلَيْسَ يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِيْنَ} (1) ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: اشْرَحْ يَا أبَا مُحَمَّدٍ! شَرْحًا يُذِهْبُ عَنْ قُلُوْبِنَا هَذِهِ الشُّبْهَةَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دَلَّ الْمَلَائِكَةَ عَلَى تِلْكَ الطَّاعَةِ، وَأَلْهَمَهُمْ إِيَّاهَا، وَعَزَّمَهُمْ عَلَيْهَا، وَجَبَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَهَذِهِ نِعَمٌ أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَوْ طَالَبَهُمْ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ مَا قَدَرُوْا عَلَى ذَلِكَ وَقَصَّرُوْا، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِتَقْصِيْرِ الشُّكْرِ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ.
(1) القرآن الكريم، سورة الأنعام (6) : 149.