ولا شك أن أبا المعالي كان له من الحظ في دراسة هذه العلوم واستظهار ما يستظهر منها، ما كان لكل طالب يختلف إلى المدارس الدينية في المساجد، ومهما يكن من قلة جدوى هذه الكتب المشوشة المشوهة وفساد هذه الطريقة التدريسية العديمة الإنتاج - فقد كانت نافعة (في الجملة) في تكوين حياته العلمية لا سيما وقد كان الأستاذ الأول له هو أبوه ذلك الأستاذ الذي لم يكن في زمنه أمكن منه في أصول الإلقاء وتقريب عويص المسائل إلى الأذهان.
لقد أخذ أبو المعالي مبادئ العلوم اللسانية والدينية عن أبيه وجود عليه الخط بأنواعه المستعملة لذلك العهد في العراق، وورث منه فقه النفس وحسن السمة وصفاء الطوية وحب الأدب والعلم، ولم يكد يستنفد ما عنده حتى فجع بموته وهو أحوج ما يكون إلى أب مثله حدب عليه بار به متعهد لجسمه وعقله بالتربية والتعليم.
فكفله عمه السيد نعمان خير الدين وعني بتهذيبه وتعليمه عناية أبيه به فكان خير عزاء عنه، فأبوه وعمه هما الأستاذان اللذان لهما الأثر الأكبر في تكوين حياته العلمية والعقلية على ما كان من الاختلاف بينهما في المذهب والمشرب، ولكن الشاب المتأثر بالعقيدة الخلفية والمتشبع بالروح الصوفية الموروثة له من أبيه وأستاذه الأول لم يستطع ملازمة دروس عمه المستقل بعلمه وآرائه، فصرف التعصب بصره عن عمه إلى ارتياد غيره، ولكن الروح الذي غرسه عمه فيه لم يلبث أن نما فيه وأينع.