على وجود شيء بعد ما ذكر على كل من الاحتمالين كما يظهر لمن له أدني تأمل غاية الأمر أنه لم يصرح بالقيد على الثاني بخلافه على الأول، ولا ظهر من ذلك ما أفاده بعض المغاربة في توجيه الأولوية السابقة من أن الثاني أشد امتثالا للأمر بالبداءة بالبسملة أو ما بعدها وذلك لأن صريحه أن الشروع في التأليف بعد البداءة بما ذكر إذ المعنى منهما يوجد من شيء فيقول بعد ما ذكر بخلاف الأول فإنه لا يفيد ذلك إلا لزوما بواسطة كون الشرط بعد البسملة وما بعدها لأن المعنى عليه مهما يوجد من شيء بعد ما ذكر.
فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه المتعالي محمد بن الشافعي الفضالي الشافعي قد سألني بعض الإخوان أن أؤلف وسالة في التوحيد فأجبته إلى ذلك ناحيا نحو العلامة الشيخ السنوسي في تقرير البراهين غير أني أتيت بالدليل بجانب المدلول وزدته توضيحا لعلمي بقصور هذا الطالب، فجاءت بحمد الله تعالى رسالة مفيدة ولتقرير ما فيها مجيدة وسميتها (كفاية العوام فيما يجب عليهم من علم الكلام) والله تعالى أسأل أن ينفع بها وهو حسبي وتعم الوكيل.
(فيقول العبد الفقير) : فتأمل.
(العبد) : إنما أتى بهذا الوصف لأنه أحب الأوصاف إلى الله تعالى وأرفعها عنده لما فيه من الإشارة إلى كمال الله تعالى واحتياج غيره إليه وجه ذلك أنه دال على الخضوع والتذلل للمولى تبارك وتعالى، ولذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم به في المقامات العلية كمقام الإسراء قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ومقام إنزال القرآن قال تعالى: {أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] ومقام الدعوة إليه قال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19] إلى غير ذلك ومن ثم خير صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيا ملكا وأن يكون نبيا عبدا فاختار الثاني لعلمه بشرف العبودية ومما ينسب للقاضي عياض:
ومما زادني شرفا وبيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صرت أحمد لي نبيا