فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؛ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ، فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ: إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ الله ِ؟، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» ، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
وأخرجه كذلك أحمد (1/ 194) عن إسحاق بن عيسى، والبخارى (4/ 15. سندى) عن عبد الله ابن يوسف، ومسلم (14/ 208. نووى) عن يحيى بن يحيى التميمى، والبزار (3/ 204/989) عن روح بن عبادة، وأبو يعلى (837) عن معن بن عيسى، والطحاوى «شرح المعانى» (4/ 303) عن ابن وهب، والهيثم بن كليب الشاشى «مسنده» (237،235) عن القعنبى، وابن حبان (2953) عن أبى مصعب الزهرى، واللالكائى «أصول الاعتقاد» (1192) عن القعنبى ومصعب الزبيرى، والمزى «تهذيب الكمال» (15/ 175) عن يحيى بن بكير، عشرتهم عن مالك به بهذا التمام والسياق.
(بيان) قوله «حتى إذا كان بسَرْغَ» ؛ قال أبو زكريا النووى: «أما سَرْغُ ـ فبسين مهملة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم غين معجمة ـ وحكى القاضى وغيره أيضا: فتح الراء والمشهور إسكانها، ويجوز صرفه وتركه، وهى قرية في طرف الشام مما يلى الحجاز. والمراد بالأجناد هنا مدن الشام الخمس وهى: فلسطين، والأردن، ودمشق، وحمص، وقنسرين» .
وأما الوباء، فطاعون عمواس الذى وقع بالشام سنة ثمان عشرة. ذكر المدائني عن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان قال: مات في طاعون عمواس ستة وعشرون ألفا. ويقال: مات فيه من آل صخر عشرون فتى، ومن آل الوليد بن المغيرة عشرون فتى. وممن مات فيه من الصحابة: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، ويزيد بن أبى سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى، وسهيل بن عمرو، وابنه أبو جندل بن سهيل، وكثير من فضلاء الصحابة.
وقال بعض بنى المغيرة فيمن مات منهم في طواعين الشام وقتذاك:
من ينزلُ الشامَ ويعرسُ به فالشامُ إن لم يُفننا كاربُ
أفنى بنى ريطة فرسانهم عشرين لم يقصص لهم شاربُ
ومن بنى أعمامهم مثلهم لمثل هذا يعجب العاجبُ