فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 440

في المعركة بشخصه، بل كل همه أن يجيء باللاعبين في الملعب، ثم يقذف الكرة بينهم، ليرى كيف يعلمون، دون أن يأخذ هو نفسه ينصيب في الملعب، وإذن فهناك أسلوب ثالث لكتابة تاريخ الفلسفة، يتناول به صاحبه الأفكار من زاوية له خاصة، كأنما هو يجعل من عقيدته الشخصية عدسة تمر خلالها الأشعة الآتية من خارج، فتنكسر هنا وتستقيم هناك، قبل أن يؤذن لها بالدخول، وبعدئذ تدخل الأفكار لتجد نفسها قد انصبت في قوالب أعدها لها المؤرخ، وما يستحيل عليه الاستواء في تلك القوالب، حذف من الحظيرة حذفا.

وهذه الطريقة الشخصية في النظر إلى تاريخ الفكر هي اصطنعها هنري توماس في هذا الكتاب الذي نقدمه إليك، فهو رجل مؤمن بطائفة من القيم الإنسانية - هي نفسها القيم التي نادت بها الديانات العظمى جميعا - وقد أراد أن يبين للقارىء أن أعلام الفلاسفة في مختلف العصور، ومن شتّى المذاهب إنما يختلفون في لغة الأداء، لكنهم يتفقون على المعاني الكبرى التي دعوا إليها، وكلها معان تلتقي في الدعوة إلى كرامة الإنسان وحريته، وإلى الإخاء والصفاء والمحبة بين البشر على اختلافهم لونا وجنسا وموطنا وعقيدة، وإنه لتيار واحد متصل منذ كان على وجه الأرض إنسان، تيار من الأخلاقية التي لم يختلف فيها نبي ولا فيلسوف ولا فنان ولا حكيم. ولكن رجال الفكر الفلسفي قد نظروا إلى هذا التيار الواحد من نقاط مختلفة امتدت على طول المجرى، منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، فجعلهم هذا الاختلاف في مواضع الرؤية ينظرون إلى التيار من جوانب مختلفة، لكن التيار لا يزال تيارا واحدا، والحقيقة المرئية لا تزال حقيقة واحدة يكتبها بوذا بلغة، ويكتبها كونفوشيوس بلغة أخرى، ويكتبها سقراط أو أفلاطون أو أرسطو بلغة ثالثة، وبيتهوفن أو باخ بلغة رابعة، ورفائيل ومايكل أنجلو بلغة خامسة، وهكذا، ولكن هذه اللغات المختلفة ترجمات لأصل واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت