وبما عثر عليه من حكمة حتى عاد أدراجه إلى أثينا، وكان آنذاك في الخامسة والثلاثين. فاشترى منزلا وحديقة في إحدى الضواحي وأنشأ أكاديمية خلوية يلقن فيها فلاسفته. كانت الأكاديمية مفتوحة للرجال والنساء، للأغنياء والفقراء، للسادة والعبيد. لأنه - كما أوضح أبيقور - ليست هناك فروق جنسية أو طبقية في دولة العلم. وكان يهدف من وراء الفلسفة التي يلقنها إلى إيجاد عالم مثالي، لا جمهورية من الكمال البشري يستحيل وجودها، مثل مدية أفلاطون، وإنما مجتمع يظلل الود أفراده وينحصر همه في ترويج اللذة ومحو الألم.
وأول شيء صرح به أبيقور أنه لا يؤمن بوجود مستقبل؛"فاليوم نحن على قيد الحياة. وهذا وحده هو أمرنا المتحقق. فلنستمتع إذن بحاضرنا".
وعن طريق هذا المذهب البسيط الذي ينادى"بجنى مباهج اليوم"، أصبح أشهر فيلسوف في اليونان إلى درجة أن أولئك الذين لم يكن في وسعهم أن يستمعوا إلى محاضراته كانوا يقبلون على شراء كتبه التي لا يقل ما نشر منها عن ثلاثمائة كتاب.
ولم يصل إلينا معظم إنتاجه؛ ولكن لحسن الحظ تحت أيدينا ملخص كامل لفلسفته، كما جاء في ملحمة لوكريشيوس بعنوان:"في طبيعة الأشياء". وكان لوكريشيوس فيلسوفًا أبيقوريًّا ظهر في روما بعد أبيقور بما يقرب من 250 عامًا. وكانت قصيدته عن طبيعة الأشياء من أعجب المصنفات في تاريخ الأدب. وما هذه القصيدة إلا دفاع عن قضية المنطق البارد، ومع ذلك تشعر بين سطورها بثورة غضب متقدة وانفعال ثائر. وهي إنتاج كافر لا يؤمن أن في العالم شيئًا مقدسًا سوى السعادة البشرية. ويمكن أن توصف بأنها أحد