فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 440

لمن يؤرخون للفلسفة أساليب شتى؛ فمنهم - وهؤلاء هم الكثرة الغالبة - من يتجرد عن أفكار عصره، ويُسقط من حسابه كل ما قد كسبته المعارف الإنسانية على تعاقب الزمن، ليرتد إلى العصر الذي يؤرخه محايدا، فيغمس نفسه غمسا في الظروف التي أحاطت به، حتى ينظر إلى كل شيء بأعين أهله، فعندئذ يزن الفكرة بميزان زمانها، وفي هذا عدل؛ إذ ماذا يكون الإجحاف بمفكر، إذا لم يكن هو أن تحاسبه بأفكار لم تكن تطرأ لأحد في عصره على بال؟

ومنهم من يقيس القديم على الجديد، ليعرف مدى صلاحية الفكرة القديمة لو أنها انخرطت في زمرة الأفكار القائمة، نعم إن في ذلك إجحافا بالمفكر القديم، ولكنه كذلك نافع للدارسين وللناس أجمعين؛ إذ ماذا تكون الأفكار إلا خططا للعمل؟ ثم ماذا يجدي أن أدرس فكرة لم يعد في وسعها أن تخطط عملا؟ وهل من العدل أن أنصف المفكر القديم على حساب المفكر الجديد؟ وإذن فأصحاب هذه الطريقة الثانية في كتاب تاريخ الفلسفة، لا يتحرجون أن يجلسوا رجال الفكر جميعا - قديمهم وجديدهم - على مائدة واحدة يناقش بعضهم بعضا، كأنما السنون لم تفرق بين عهودهم، وذلك كله ابتغاء الحق، فلئن كانت الطريقة الأولى تحقق العدالة في تناول المفكرين، فالطريقة الثانية تناصر الحق حيثما كان.

لكن الطريقتين معا موضوعيتان في المنهج، لأن المؤرخ في كلتيهما لا يدخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت