إلى أن طالت القصة، وعز ما يعتصر به من الغصة، والشمس قد جنحت للأفول، والنفس قد أحست بالرواح والقفول؛ فعرض ما يعرض للآباء، في النظر للأبناء، والحَدَب [1] عليهم وله تنعطف الأحناء، وحداني أن أرسم لهم من طريقة آبائهم منهاجا، وأريهم من أنوار سلفهم سراجا وهاجا، يسلكون جادته متى اختلفت السبل والفجاج، ويهتدون به متى جن ليل داج، ويؤمون سمته [2] متى تلاطمت بأهل الزمان الأمواج، [2] ويستصلحون به الطبيعة متى غَيّر الخِلط [3] المزاج .. دللتهم فيه على كنز أقمت جداره، ومركز رسمت مداره، ورب جدار أقيمت على قواعده دار، وكنز عند الاستحضار يصغر له اللجين والنُضار [4] ، أبقيته محفوظا عليهم محروسا، وصيرت المعقول مشاهدا محسوسا، عسى أن يحنوا إلى تلك المعاهد، ويكتفوا بما رسمته لهم اكتفاء المشاهد عن الشاهد، فشبه الولد بأبيه مألوف معهود، واقتداؤه به في الصالحات - بحسب الشرع والطبع - محمود، ونفسه إلى محاكاته منساقة، ومن لم يبلغ شأو المقدمة فحسبه أن يكون في الساقة. فإنه وإن اختلفت المدارك؛ فالمقبل الآخذ خير من المدبر التارك.
ولأجل ما قصدته من البيان، وتنزيل المسموع منزلة العيان؛ ربما ذكرت ما هو في صنعة التأليف حشو لا يحتاج إليه، ولغو لا يُعَرَّج ببادي الرأي عليه، محافظة على أن تكون صورة الحال بارزة إليهم، ومثال الواقع ماثلا لديهم، فإني لم أقصد به سواهم، ولا مرادي أن يَعْدُو مثواهم، وإذا حكمت العادة - ومن ذا الذي يعطى مراده - فلعل المنصف لا يذمه، ولا يعترضه فيما يؤمه، ثم إذا استقل حسب مغزاه بالإحسان؛ فليدعه من لم يقع منه موقع الاستحسان.
(1) الحدب: العطف.
(2) السمت: الطريقة والوجهة.
(3) الخلط: الأحمق.
(4) النضار: الخالص من التبر والخشب.