وما يعرف الإيمان والكفر، وما يتكشف الإخلاص والنفاق، وما يتميز الخبيث والطيب إلا في هدى هذه التجارب التي تكفل القدر بإجرائها: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) . وإذا رأيت المرء يحب غير الله أكثر مما يحب الله ، ويخاف العبد أكثر مما يخاف الرب، ويتعلق قلبه بالناس أكثر مما يتعلق برب الناس، ويصدر عمله ابتغاء رضاهم أكثر مما يتطلب ثواب الآخرة. فإذا نزلت به نكبة كان تفكيره في فلان قبل تفكيره في الله، وإذا أصابه خير كان حمده لفلان أسبق من شكره لله ... فاعلم أن هذا الشخص قد أشرك ... ولئن كان بعض العلماء يقول: إن الشرك في العمل غير الشرك في الاعتقاد، وإن هذا شرك أصغر وذاك شرك أكبر. الحقيقة: إن المسألة أصعب مما يتصورون للعامة. فالشرك عين حمئة قذرة، إذا انفجرت في قلب وبدأت تسيل قطرات راشحة توشك أن تتحول سيلًا كاسحًا، ويومئذ لا يبقى في القلب إيمان حق، ويتحول ما يسمونه شركًا أصغر إلى عين الشرك الذي يعده الإسلام أقبح الكبائر. إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم والإسلام يوم حارب اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، لم يحاربها لذواتها، ولم تكن بينه وبينها عداوة شخصية؟ إنما حاربها لأنها احتلت من قلوب الملتفين بها مكانة السيد المتصرف من عبيده الأذلين. فكل ما يصرف القلوب مثلها عن الله فهو صنم . ص _074
وكل من تكون في قلبه منزلة لشيء ما غير الله، مثل منزلة هذه الأصنام في قلوب المشركين القدامى، فهو ـ ولا كرامة ـ مثلهم، يحسب منهم ويحشر معهم .. ولا عجب فالخمر لم تحرم لعينها، وإنما حرم المسكر من كل شراب. والإيمان بالله لا تتفاوت حقيقته، وإن اختلفت نواقضه على توالي الأيام . ص _075