وهذا الصنيع الطائش لغو ومجون. فليس لله بنات ولا بنون، وليس بين الله وبين عباده كلهم وسطاء ولا شفعاء ولا سماسرة. ولكل بشر ـ في الأولين والآخرين ـ أن يتقدم بسؤاله إليه مباشرة . وإذا أذنب فله الحق كله أن يتصل بربه معتذرًا مستغفرًا، لا يحمل توبته أحد من الناس. والذي شرع لعباده الدين من بدء الخليقة، وضح لهم على لسان رسله هذه الحقيقة. ولو أن لله ولدًا أو شريكًا ـ سبحانه وتعالى عن هذا الإفك ـ لما ضارتنا عبادته (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) . لكن هذا محض الكذب والدجل، فكيف نتورط فيه؟ والمؤسف أن البشر لما اختلفوا على الله هذه الفرية ـ فرية الشركاء والوسطاء ـ ظل الضلال ينحدر بهم من ظلمة إلى ظلمة حتى نسوا الله نفسه ـ الذي اتخذوا الشفعاء سماسرة له ، وذكروا ما دونه من أصنام أو من أنبياء أو من أولياء. (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) . ومن هنا ظفر هؤلاء الشركاء بنصيب الأسد في كل شيء، في العبادة والإخلاص، والسؤال والنذر، والحب والحماسة، ولم يبق لله من ذلك شيء يذكر. (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) . وفي الحديث القدسي:"إنني الإنس والجن في نبأ عجيب، أخلق ويعبد غيري ص _0 ص 9"
وأرزق ويشكر سواي". ولقد سرت هذه اللوثة في العقائد حتى كادت تفسد على الناس حياتهم ومصيرهم. وحسب الدنيا ضلالًا، أن تعمى عن إشراق التوحيد في أنحاء الوجود. وإنك لتأسى إذ ترى للوثنية المخرفة أجيالًا تزحم مناكب الأرض. وللنصرانية المشركة أقطارًا تسودها الأوهام. (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) . وشيوع هذا الشرك في العالم هو الخطوة المؤدية حتمًا إلى جحود مبدأ الألوهية، وعدم الإيمان بالله العظيم. ص _070"