أي عقل يدرك حقيقة هذا النداء الذي سمعه موسى فخر صعقا ؟، وأي عقل يدرك حقيقة نفخ الله في فرج مريم؟، كما جاء في القرآن المجيد بنص هذه الآية: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ) . النصراني يقول: الإله واحد كما يقول المسلم . ثم يقول النصراني: إن عيسى كلمة الله وروح الله ، وهكذا يقول المسلم أيضًا . والنصراني يقول: إن مريم عذراء حملت بعيسى الذي هو روح الله وكلمة الله من غير أن يمسها بشر، وهكذا يقول المسلم أيضًا. فأنا أسأل إخواني المسلمين أن يبينوا لي الفرق أولا بين هذه التعابير، وأن يفهموها جيدًا قبل أن يجادلوا النصارى على التعبير بالأب والابن والروح القدس، وقبل أن يسألوا عن هذه الفلسفة التي تبين أن هذه الكلمات الثلاث تدل على حقيقة واحدة ظهرت في ثلاثة مظاهر، وما نار موسى عن القارئ ببعيد . هذا الكلام ينطوى على مغالطة بينه، ولقد أوضحنا في الفصل السابق أن هناك فرقا بين ما يصعب على العقل إدراكه، وبين ما يجزم العقل باستحالته. ففي عالمي الغيب والشهادة حقائق شتى نوقن بوجودها ونجهل كنهها، وجهلنا بكنهها لا يخدش وجودها الثابت. وفي عالمي الغيب والشهادة كذلك أمور نحكم بامتناعها، ولا يمكن تلبيس الممكنات الغامضة بالمستحيلات المعدومة. والقول: بأن الثلاثة واحد، كالقول بإجماع النقيضين؛ ليس مسألة غامضة، بل مسألة مستحيلة بالبداهة. ص _0 ص 5