الصفحة 51 من 229

وعيسى نفسه يعرف أنه وأمه عبدان فقيران لله. ويوم الحساب يقران بذلك ويستنكران غلو الغالين فيهما. ( .... أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد) . والواقع الذي يعلو به صوت البديهة: أنه من المستحيل جعل عيسى إلهًا، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويدبر شؤون البلاد والعباد، وأمر السماء والأرض.. إلخ ؛ لأنه في حياته عبد ضعيف، وبعد مماته رفات موارى في حفرة من التراب. ومؤلهو عيسى يشعرون بذلك جيدًا . ومن ثم فهم يلتمسون له القوة ـ التي تجعل منه إلهًا ـ من طبيعة أخرى غير طبيعته العاجزة كإنسان، وذلك بالتحايل على إيجاد نسبة بينه وبين الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي نسبة البنوة كأنه ولي عهد!! ، وزين لهم هذا التخبط أن عيسى ولد من أم فقط. والحق أن النسبة بين الله وبين خلقه كافة هي نسبة الموجد المتفضل بالإيجاد، المختار فيه أتم اختيار، على عالم لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا . وإن كل صامت وناطق في هذا العالم يدين لله بكينونته، وهو طوعًا أو كرهًا يسبح بحمده ويذل لربوبيته !! والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد يجعل بعض مخلوقاته أرضًا ، وبعضها سماء ، بعضها ترابًا وبعضها ذهبًا ، بعضها نباتًا وبعضها حيوانًا ، بعضها إنسًا وبعضها جنًّا .. فما أعلى شأنه من خلقه، فهو محض فضله، وما حدد له وضعه فهو محض حكمته. وقد يمنح بعض البشر والملائكة مواهب تميزهم عن أقرانهم ثم يختارون رسلًا لعباده. وأيًّا ما يفعل ذلك بخلقه، فإن ذلك ما يمس أصل النسبة المقررة بين العالم وموجده ص _0 ص 2

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت