كلا الفريقين يوافق الآخر على تنزيه الله ونفي شبهة بالحوادث، ولكن أسلوب التنزيه عند هذا غيره عند ذاك. وكنت أود لو كف المسلمون الأوائل عن خوض معارك الجدل في الموضوع، أو لو استبان بعضهم وجهة نظر الآخر بدقة وأنا شخصيًّا أوثر مذهب السلف. وأرفض أن يشتغل العقل الإسلامي بالبحث المضني فيما وراء المادة، وأرتضي قبول الآيات والأحاديث التي تضمنت أوصافًا لله ـ جل شأنه ـ دون تأويل. ولئن كنا نسلك هذا المسلك في تقديس الذات ونسبة الصفات، إننا لا نحب أن نتخذ منه ذريعة لتكفير من قصدوا إلى تنزيه الله عن طريق التأويل ، وصرف الآثار الواردة إلى المجاز لا إلى الحقيقة. فإن الذين أولوا فعلوا ذلك خشية أن يؤول أمر الألوهية إلى مثل ما عليه اليهود والنصارى، من تجسيم زري، وأحوال مضحكة. إن التوراة تحكي: أن صراعًا نشب بين الرب ويعقوب، لم يفلت منه الرب إلا بصعوبة، وبعد ما قدم ليعقوب لقبه المعروف"إسرائيل"، وكلام الإنجيل عن الله يخيل إليك أنه رب أسرة من ولد ووالدة!. فجنوح المؤولين ـ عندنا ـ إلى المجاز، قد يكون هناك ما يعتذر به عنهم . بيد أننا لاحظنا أن هذا التنزيه والتأويل والانصراف الدائم عن الحقيقة إلى المجاز قد جنى على أصل الإيمان لدى جمهور العامة، وجعل فكرتهم غامضة عن إله: لا هو في السماء ولا هو في الأرض، ليست له يد، ولا عين، ولا وجه، لا يوصف بفرح ولا رحمة ولا ضحك، ولا ولا ، مما وصف به نفسه . ص _045