إن اللغات من وضع الناس على مر الزمان. فنحن العرب وضعنا كلمة"أذن"مثلًا لهذا التجويف أيمن الوجه أو أيسره الذي نسمع عن طريقه الأصوات ونتبين الكلمات... وقد وضع غيرنا من أبناء اللغات الأخرى كلمات تدل على هذه الحاسة غير الكلمة المتداولة بيننا، والمهم أن هذه الألفاظ الموضوعة استحدثها الناس لمفاهيم مادية أو معنوية مارسوها وألفوها، ومن هنا فالمجيء بهذه الكلمات للدلالة على أمور مغيبة ليس إلا من قبيل التقريب للذهن، ولا يمكن أن تكون هذه العبارات التي صنعناها نحن بيانًا للمحسوسات أو المعقولات المأنوسة لنا في عالمنا وصفًا حقيقيًّا لعالم ما وراء المادة . على ضوء هذا الملحظ نفهم حديث أي لغة عن الله ـ جل شأنه ـ وعن صفاته العليا، إن الأمر لا يعدو تقريب الحقائق المطلقة لوعينا المحدود. والله أكبر من أن تحيط بعظمته عقولنا، أو تستوعب؟ كمالاته أقدارنا. ولغات البشر أجمع قوالب صالحة لما يدور في حياتهم من تفاهم، ولكنها دون ما ينبغي لذات الله من تجلية وإدراك. وقد اتفق المسلمون سلفهم وخلفهم على ذلك. ولكن اختلفت مناهجهم في التنزيه والتمجيد. فمنهم من وقف عند ظاهر النص ولكنه قال: ليس هذا الظاهر على ما نألف في فهمنا المادي للأمور. ومنهم من قال: إن هذا الظاهر ليس مرادًا والمقصود كذا... والهدف واحد تقريبًا. إذا جاء في القرآن الكريم مثلًا: (ولتصنع على عيني ) قال الأولون: إن له عينًا ليست كأعيننا. وقال الآخرون: إنما هي الرعاية والحفظ ... ص _044