إذا قيل: إن الله يسمع، فليس ذاك بأذن كآذاننا . أو يرى ، فليس ذلك بعين كأعيننا. وإذا قيل: إنه بنى السماء، فليس على النحو المألوف من تكليف فعلة واستحضار أدوات. وإذا قيل: يده فوق أيدينا، فليس الوصف لجارحة كأعضائنا. والذي نوقن به ابتداء، أن صفات المحدثين وأحوالهم لا يجوز أن تنسب إلى الله؛ فهو- سبحانه وتعالى- غير مخلوقاته. وشأن الألوهية أسمى مما تتصور الأذهان الكليلة والعقول القاصرة. وقد وردت في الوحي الكريم كلمات عن الوجه، واليدين، والأعين والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء، والقرب من العباد... إلخ ، حاول كثير من المسلمين استكناه دلالتها واستكشاف حقيقتها، فلم يرجعوا إلا بالحيرة، حتى قال قائلهم. نهاية إقدام العقول عقال وآخر سعي العالمين ضلال ! ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم من جبال قد علا شرفاتها رجال فبادوا والجبال جبال ولا غرو، فإن البحث عبث فيما لا يملك المرء وسائل الخوض فيه. إن الكيمائي قد يعرف خواص سائل أو غاز يقلبه تحت يده، ويجري عليه ما شاء من تجارب، فكيف يجوز للعباد أن يتدخلوا بالبحث النظري في شأن الألوهية لينكروا أو ليثبتوا؟ وشأن الألوهية بالنسبة إليهم عزيز المنال، والحق يقول ـ في كلامه عن ذاته وصفاته ـ: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) وعلى ذلك فكل ما قطعنا بثبوته في كتاب الله وسنة رسوله مما وصف الله به نفسه وأسنده إلى ذاته؛ قبلناه على العين والرأس، لا نتعسف له تأويلًا ولا نقصد به تجسيمًا ولا تشبيهًا ، ويحتاج الكلام في هذا الموضوع إلى زيادة بيان: ص _043