ويردّ البصريّون على شواهد الكوفيين بأسس مختلفة، من بينها الشاهد القرآني، ليفسّروها تفسيرًا مخالفًا، ومن جملة الشواهد التي ساقوها ردًّا على الكوفيين قوله تعالى:"حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا" [1] ، إذ رأوا أنه لو أعمل الأول لجاء التركيب: آتوني قطرًا أفرغه عليه [2] ، وهكذا يجعلون إعمال الثاني أولى.
أما مجيء الشاهد القرآني في التحليل النحوي، الذي يقاس على الأنماط المجرّدة في قواعد- فإنه يتمثل بشواهد تساق مع جملة الأسس الأخرى، من ذلك أن يقدّم الشاهد القرآني في الظواهر التي تقتضي تعددًا، ليكون أحد الأسس المعتمدة في وجه ما، فيعزّز الأسس من غير ترجيح بعض الأوجه على بعض، أو يأتي في الوجه الذي يُردّ عليه بالتضعيف، أو بالرفض، أو الذي يعتمد بالترجيح، أو الذي يؤخذ به ويرفض ما عداه.
ومما جاء من ذلك ما جرى في تحليل قوله تعالى:"فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ" [3] . يفهم من كلام الزمخشري الذي تابع بعضهم أن"حاجزين"صفة لـ"أحد"، وجاءت مجرورة على اللفظ، لأنّ"أحد"في الأصل مبتدأ، وجُرَّ لفظًا بـ"من"لمّا تقدمه النفي [4] . وعندما سوّغ المطابقة في العدد بين الموصوف المفرد في اللفظ"أحد"وصفته"حاجزين"التي جاءت جمعًا رأى أن"أحد"في معنى الجماعة، وإن جاء في اللفظ مفردًا، لأنه يقع للواحد وللجمع في النفي العام، ثم
(1) سورة الكهف، الآية"96".
(2) ابن الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 83 - 96.
(3) سورة الحاقّة، الآية"47".
(4) الزمخشري: الكشاف 4/ 610.