الأحكام وتنوع، مراعين الجانب التاريخي في عرض الآراء، محاولين الاكتفاء باستجلاء الفكرة بعيدًا عن الترجيح والتضعيف وتقويم الآراء.
يظهر أن الشواهد القرآنية التي تعدّ من جملة الأسس المأخوذ بها في تعدد أوجه التحليل تواجهنا في أثناء تجريد القواعد، كما تواجهنا في أثناء تحليل الكلام الذي يتخذ القواعد أصولًا يقيس عليها.
يقدّم الشاهد القرآني عند صوغ الأحكام، وذلك حين يريد النحوي أن يجرّد حكمًا يجعل منه قاعدة يقاس عليها، فيأتي بالشاهد ليثبت الحكم، ومن ثم يحتمل ما قدّمه التعدد في التحليل، خذ مثلًا القاعدة التي جردها الكوفيون لمعنى"من"، إذ رأوا أن يجوز استعمالها لابتداء الغاية في الزمان، كما يجوز في المكان، وحجتهم في مذهبهم شواهد من القرآن الكريم ومن كلام العرب، وما قدموه من القرآن الكريم قوله تعالى:"لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ" [1] . فقالوا: إن"من"في الآية الكريمة لابتداء الغاية في الزمان، بدليل ما دخلت عليه، وهو"أوّل يوم"، ومن كلام العرب قول الشاعر [2] :
لِمَنِ الدِّيارِ بِقُنَّةِ الحِجْرِ ... أقْوَيْنَ من حججٍ ومن دهرِ
دخلت"من"على الزمان في البيت الشعري كما يرون، وعليه جرّدوا حكمًا يقول: يجوز مجيء"من"لابتداء الغاية في الزمان [3] . على حين ذهب البصريون في تحليل الشواهد السابقة مذهبًا آخر، فقدّروا مضافًا محذوفًا، قبل الاسم المجرور
(1) سورة التوبة، الآية"108".
(2) البيت لزهير بن أي سلمى، انظر: ديوانه، ص 86، والقُنّة: القمّة، والحِجر: اسم موضع، وهو منازل ثمود، عند وادي القرى من ناحية الشام، وأقْوين: خلون، وحِجج: ج حِجة وهي السنة، والدهر: الأبد المدود.
(3) ابن الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 372 - 373.