تطور الدرس بعد ذلك، وبدأت معالم القياس والتقعيد تأخذ طريقها في ضوء المادّة اللغوية المحتج بها المتمثلة في لغة القرآن الكريم ولغة العرب شعرها ونثرها، أي اللغة المتمثّلة فيما هو مشترك بين الجماعة العربية التي لم تتأثر بالأمم المجاورة، المتداولة في حياتهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والأدبيّة وغيرها، التي نزل بها القرآن الكريم ونُظم بها الشعر الجاهلي، وعليه كانت تلك مصادر التقعيد عند النحاة ثم ما لثت تلك المصادر كانت أسسًا تقود النحاة في توجيه التحليل النحوي والردود والتجاذبات.
من هنا كان للشاهد القرآني بقراءاته كافة أهمية كبيرة في بناء القواعد والقياس عليها، ونقف في هذا البحث لنتبين مكانة الشاهد القرآني في تعدد أوجه التحليل النحوي. وتحسن الإشارة إلى أن المقصود بالتحليل النحوي في البحث دراسة عناصر النظام التركيبي، وذلك بتحديدها، وتفسيرها، ومعرفة معانيها، وخصائصها، وكيفية انتظامها، وعلاقة بعضها ببعض، وما يتصل بها من قضايا أخرى، تتضافر مجتمعة في تشكيل النظام التركيبي. وأن المقصود بتعدد أوجه التحليل النحوي هو تعدد الأحكام، في تفسير أمر ما مما يتناوله التحليل النحوي، في عبارة ذات صورة تركيبية معينة، وأن هذا التعدد يرد بصور مختلفة، فقد يرد في أثناء تجريد القواعد وفي أثناء القياس عليها، إضافةً إلى أنه يقود إلى القياس في بعض الحالات [1] .
نتتبع الظاهرة في كتب التحليل النحوي ذات الطابع التطبيقي، مثل الكشاف للزمخشري (ت 538 هـ) ، والبحر المحيط لأبي حيان (ت 742 هـ) ، ومغني اللبيب لابن هشام الأنصاري (ت 761 هـ) ، والكتب ذات الطابع الاستدلالي التي يكثر فيها الجدل وعرض الأدلة، مثل الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين لابن الأنباري (ت 577 هـ) .
نحاول أن نستجلي طبيعة الشاهد القرآني في الاستدلال والاستئناس لدى النحاة في أثناء محاكمة الأوجه النحوية والآراء، عندما يكون في المسالة تعدد في
(1) الجاسم، محمود حسن: تعدد الأوجه في التحليل النحوي، ص 20.