بـ"من"، وجعلوه من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والتأويل في الآية الكريمة: من تأسيس أول يوم، وفي البيت الشعري، إن صحّت روايته عند البصريين: من مرِّ حججٍ ومن مرِّ دهر [1] . فالكوفيون ساقوا دليلًا سماعيًّا ليجرّدوا قاعدة فرعية، ثم جاء ردّ البصريين على هذا الدّليل برفض التقعيد له، فكان أن وجهوه [2] ضمن الأصول التي استخلصت، ومن هنا نرى أن الشاهد القرآني يكون من جملة الأسس المعتمدة في تعدد أوجه التحليل النحوي، كما يكون موضوعًا للتعدد في آن معًا.
وربما كان الشاهد القرآني أساسًا للرد عند تجريد القواعد، إذ يقدّم بعض النحاة الشاهد أحيانًا ليجعلوا منه قاعدة يقاس عليها، فيأتي الردّ عليه من فريق آخر بشاهد قرآني مخالف له، وإليك على سبيل المثال الخلاف في التقعيد بين البصريين والكوفيين لباب التنازع، فقد ذهب الكوفيون إلى أن إعمال الفعل الأول أولى، على حين ذهب البصريون إلى أن إعمال الفعل الثاني أولى، ومن جملة ما احتجّ به الكوفيون قول الشاعر [3] :
فلو أنَّ ما أَسعَى لِأَدنَى مَعِيشَةٍ ... كَفانِي، ولم أَطلُبْ، قليلٌ من المالِ
فقد أعمل الشاعر الفعل الأول"كفى"، ولو أعمل الثاني لقال:"قليلًا" [4] .
(1) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(2) لابد من الإشارة إلى أن ردّ الشاهد، بتخطئة قائله، أو بالتشكك في صحّته أو بروايته رواية أخرى- لا يعدّ من الأسس المعتمدة في أثناء تجريد القواعد، لأن الشاهد لم يحدث فيه تعدد في التحليل، وإنما وقع الخلاف في قبوله، ومن ثم يدخل هذا النمط ضمن دائرة الخلاف النحوي، لا ضمن دائرة قضايا التعدد في التحليل.
(3) البيت لامرئ القيس، انظر: ديوانه، ص 167، يريد: لو كان مطلبي الكفاف من العيش لكفاني القليل، ولم أسعَ في طلب الكثير.
(4) ابن الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 83 - 96.