• 343
  • عَنِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ فِي حَدِيثِهِمَا فَرَاحُوا ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً ، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ ، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَتَّى إِذَا هُوَ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ فَأَقْبَلَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ ، الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا ، بَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ " ، فَقَالَ النَّاسُ حَلَّ ، حَلَّ فَأَلَحَّتْ ، فَقَالُوا : خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ ، وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ " ، ثُمَّ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً ، يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ ، إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ، ثُمَّ زَجَرَهَا ، فَوَثَبَتْ بِهِ " ، قَالَ : فَعَدَلَ عَنْهُمْ ، حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ ، إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا ، فَلَمْ يَلْبَثْ بِالنَّاسِ ، أَنْ نَزَحُوهُ ، فَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطَشُ ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ ، قَالَ : فَمَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ ، حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ جَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ ، فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَكَانَتْ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ ، فَقَالَ إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ ، نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ ، وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ ، فَإِنَّ قُرَيْشًا ، قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً ، وَيَخْلُوا بَيْنِي ، وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنْ ظَهَرْنَا ، وَشَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ ، فِيهِ النَّاسُ ، فَعَلُوا وَقَدْ جَمُّوا ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا ، حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي ، أَوْ لَيُبْدِيَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ " ، قَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ سَأُبَلِّغُهُمْ ، مَا تَقُولُ ، فَانْطَلَقَ ، حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا ، فَقَالَ : إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا ، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ ، فَعَلْنَا ، فَقَالَ : سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَنْ تُخْبِرُونَا عَنْهُ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ ذُو الرَّأْيِ : هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ ، يَقُولُ : قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا ، وَكَذَا ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبُو مَسْعُودٍ ، عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، فَقَالَ : يَا قَوْمُ أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ ؟ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : أَلَسْتُ بِالْوَالِدِ ، قَالُوا : بَلَى قَالَ : فَهَلْ تَتَّهِمُونِي ، قَالُوا : لَا ، قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي ، وَوَلَدِي ، وَمَنْ أَطَاعَنِي قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ هَذَا امْرُؤٌ عَرَضَ عَلَيْكُمْ ، خُطَّةَ رُشْدٍ ، فَاقْبَلُوهَا ، وَدَعُونِي آتِهِ ، قَالُوا : ائْتِهِ ، فَأَتَاهُ قَالَ : فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ ، لِبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ : ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ ، هَلْ سَمِعْتَ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى ، فَوَاللَّهِ إِنِّي أَرَى وُجُوهًا ، وَأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ خُلَقَاءَ أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ : امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ وَنَدَعُهُ ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : مَنْ هَذَا ، قَالُوا : أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ ، فَقَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ ، وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَيْهِ ال سَّيْفُ ، وَالْمِغْفَرُ ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ ، إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ ، وَقَالَ : أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ ، وَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ ، فَقَالُوا : الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ ، فَقَالَ : أَيْ غُدَرُ ، أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَتَلَهُمْ ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ، ثُمَّ جَاءَ ، فَأَسْلَمَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَّا الْإِسْلَامُ ، فَأَقْبَلَ ، وَأَمَّا الْمَالُ ، فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ " ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِعَيْنِهِ ، فَوَاللَّهِ مَا يَتَنَخَّمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نُخَامَةً ، إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ ، وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ انْقَادُوا لِأَمْرِهِ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ ، تَعْظِيمًا لَهُ ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَيْ قَوْمُ ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ إِلَى الْمُلُوكِ ، وَوَفَدْتُ إِلَى كِسْرَى ، وَقَيْصَرَ ، وَالنَّجَاشِيِّ ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ ، يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ ، مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا ، وَوَاللَّهِ إِنْ يَتَنَخَّمْ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ ، وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ اقْتَتَلُوا عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذْ تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ ، تَعْظِيمًا لَهُ ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ ، فَقَبَلَوهَا ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ دَعُونِي آتِهِ ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا فُلَانٌ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ ، فَابْعَثُوهَا لَهُ " ، قَالَ فَبُعِثَتْ ، وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، لَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ ، أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ الْبُدْنَ ، قَدْ قُلِّدَتْ ، وَأُشْعِرَتْ ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ ، فَقَالَ دَعُونِي آتِهِ ، فَقَالُوا : ائْتِهِ ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا مِكْرَزٌ ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ " ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ ، إِذْ جَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ مَعْمَرٌ ، فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا سُهَيْلٌ ، قَدْ سَهَّلَ اللَّهُ لَكُمْ أَمْرَكُمْ " ، قَالَ مَعْمَرٌ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ فَلَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ ، قَالَ هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا ، وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا ، فَدَعَا الْكَاتِبُ ، فَقَالَ : " اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، فَقَالَ سُهَيْلٌ أَمَّا الرَّحْمَنُ ، فَلَا أَدْرِي وَاللَّهِ مَا هُوَ ، وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اكْتُبْ هَذَا ، مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ ، وَلَا قَاتَلْنَاكَ ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي ، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ " ، قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ ، إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا ، وَبَيْنَ الْبَيْتِ ، فَنَطُوفُ بِهِ " ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، إِنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ ، أَنَّا أَخَذْنَا ضَغْطَةً ، وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو : عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ ، أَوْ يُرِيدُ دِينَكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ ، فِي قُيُودِهِ ، قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَا مُحَمَّدُ هَذَا أَوَّلُ مَنْ نُقَاضِيكَ عَلَيْهِ ، أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّا لَمْ نُمْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ " ، فَقَالَ وَاللَّهِ لَا أُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَجِزْهُ لِي " ، فَقَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ ، قَالَ : فَافْعَلْ قَالَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ، قَالَ مِكْرَزٌ : بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ ، فَقَالَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو : يَا مَعْشَرُ الْمُسْلِمِينَ ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ لَقِيتُ ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، إِلَّا يَوْمَئِذٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ أَلَسْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا ، قَالَ : " بَلَى " ، قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ، وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ؟ ، قَالَ : " بَلَى " ، قُلْتُ : فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ، إِذَا قَالَ : " إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَسْتُ أَعْصِي رَبِّي ، وَهُوَ نَاصِرِيٌّ " ، قُلْتُ : أَوَ لَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ ، فَنَطُوفُ بِهِ ؟ ، قَالَ : " بَلَى " ، فَخَبَّرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيَهِ الْعَامَ ، قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنَّكَ تَأْتِيَهِ ، فَتَطُوفُ بِهِ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا ، قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : أَوَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ، وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ، قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ، إِذَا قَالَ : أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ ، وَهُوَ نَاصِرُهُ ، فَاسْتَمْسَكَ بِغَرْزِهِ ، حَتَّى تَمُوتَ ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ ، قُلْتُ : أَوَ لَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا ، أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ ، وَنَطُوفُ بِهِ ؟ ، قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَأَخْبَرَكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ ، قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَإِنَّكَ آتِيَهِ ، وَتَطُوفُ بِهِ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ : فَعَمِلْتُ فِي ذَلِكَ أَعْمَالًا ، يَعْنِي فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنَ الْكِتَابِ ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : " انْحَرُوا الْهَدْيَ ، وَاحْلِقُوا " ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ ، مِنْهُمْ رَجَاءَ ، أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَ : " مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ " ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَوَ تُحِبُّ ذَاكَ اخْرُجْ ، وَلَا تُكَلِّمَنَّ أَحَدًا ، مِنْهُمْ كَلِمَةً ، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ ، وَتَدْعُو حَالِقَكَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخَرَجَ ، وَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ ، حَتَّى نَحَرَ ، بُدْنَهُ ، ثُمَّ دَعَا حَالِقَهُ ، فَحَلَقَهُ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاسُ جَعَلَ بَعْضُهُمْ ، يُحَلِّقُ بَعْضًا ، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ، قَالَ : ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ }} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : فَطَلَّقَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، قَالَ : رَجَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ ، وَقَالُوا : الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ ، فَخَرَجَا ، حَتَّى بَلَغَا بِهِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ ، وَاللَّهِ لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا ، يَا فُلَانُ جَيِّدًا ، فَقَالَ أَجَلْ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ، ثُمَّ جَرَّبْتُ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ : أَرِنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ ، فَضَرَبَهُ ، حَتَّى بَرَدَ ، وَفَرَّ الْآخَرُ ، حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا " ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قَتَلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي ، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَيْلُ أُمِّهِ لَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ " ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ ، عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى ، فَخَرَجَ ، حَتَّى أَتَى سَيْفَ الْبَحْرِ ، قَالَ وَتَفَلَّتَ ، مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ ، رَجُلٌ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ ، إِلَى الشَّامِ ، إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا ، فَقَتَلُوهُمْ ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تُنَاشِدُهُ اللَّهَ ، وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ، مِمَّنْ أَتَاهُ ، فَهُوَ آمِنٌ ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا {{ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ }} ، حَتَّى بَلَغَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ فِي حَدِيثِهِمَا فَرَاحُوا ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً ، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ ، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَتَّى إِذَا هُوَ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ فَأَقْبَلَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ ، الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا ، بَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ ، فَقَالَ النَّاسُ حَلَّ ، حَلَّ فَأَلَحَّتْ ، فَقَالُوا : خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ ، وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً ، يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ ، إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ، ثُمَّ زَجَرَهَا ، فَوَثَبَتْ بِهِ ، قَالَ : فَعَدَلَ عَنْهُمْ ، حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ ، إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا ، فَلَمْ يَلْبَثْ بِالنَّاسِ ، أَنْ نَزَحُوهُ ، فَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الْعَطَشُ ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ ، قَالَ : فَمَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ ، حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ ، إِذْ جَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ ، فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَكَانَتْ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ ، فَقَالَ إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ ، نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ ، وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ ، فَإِنَّ قُرَيْشًا ، قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً ، وَيَخْلُوا بَيْنِي ، وَبَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنْ ظَهَرْنَا ، وَشَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ ، فِيهِ النَّاسُ ، فَعَلُوا وَقَدْ جَمُّوا ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا ، حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي ، أَوْ لَيُبْدِيَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ ، قَالَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ سَأُبَلِّغُهُمْ ، مَا تَقُولُ ، فَانْطَلَقَ ، حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا ، فَقَالَ : إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا ، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ ، فَعَلْنَا ، فَقَالَ : سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَنْ تُخْبِرُونَا عَنْهُ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ ذُو الرَّأْيِ : هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ ، يَقُولُ : قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا ، وَكَذَا ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا قَالَ : النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَقَامَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبُو مَسْعُودٍ ، عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ، فَقَالَ : يَا قَوْمُ أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ ؟ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : أَلَسْتُ بِالْوَالِدِ ، قَالُوا : بَلَى قَالَ : فَهَلْ تَتَّهِمُونِي ، قَالُوا : لَا ، قَالَ : أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي ، وَوَلَدِي ، وَمَنْ أَطَاعَنِي قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : فَإِنَّ هَذَا امْرُؤٌ عَرَضَ عَلَيْكُمْ ، خُطَّةَ رُشْدٍ ، فَاقْبَلُوهَا ، وَدَعُونِي آتِهِ ، قَالُوا : ائْتِهِ ، فَأَتَاهُ قَالَ : فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ ، لِبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ : ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ ، هَلْ سَمِعْتَ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى ، فَوَاللَّهِ إِنِّي أَرَى وُجُوهًا ، وَأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ خُلَقَاءَ أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ : امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ وَنَدَعُهُ ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : مَنْ هَذَا ، قَالُوا : أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ ، فَقَالَ : أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ ، وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وَعَلَيْهِ ال سَّيْفُ ، وَالْمِغْفَرُ ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ ، إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ ، وَقَالَ : أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ ، وَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ ، فَقَالُوا : الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ الثَّقَفِيُّ ، فَقَالَ : أَيْ غُدَرُ ، أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَتَلَهُمْ ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ، ثُمَّ جَاءَ ، فَأَسْلَمَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : أَمَّا الْإِسْلَامُ ، فَأَقْبَلَ ، وَأَمَّا الْمَالُ ، فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، بِعَيْنِهِ ، فَوَاللَّهِ مَا يَتَنَخَّمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، نُخَامَةً ، إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ ، وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ انْقَادُوا لِأَمْرِهِ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ ، تَعْظِيمًا لَهُ ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَيْ قَوْمُ ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ إِلَى الْمُلُوكِ ، وَوَفَدْتُ إِلَى كِسْرَى ، وَقَيْصَرَ ، وَالنَّجَاشِيِّ ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ ، يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ ، مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا ، وَوَاللَّهِ إِنْ يَتَنَخَّمْ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ ، وَجِلْدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ اقْتَتَلُوا عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذْ تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ ، تَعْظِيمًا لَهُ ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ ، فَقَبَلَوهَا ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ دَعُونِي آتِهِ ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : هَذَا فُلَانٌ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ ، فَابْعَثُوهَا لَهُ ، قَالَ فَبُعِثَتْ ، وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، لَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ ، أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ الْبُدْنَ ، قَدْ قُلِّدَتْ ، وَأُشْعِرَتْ ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ ، فَقَالَ دَعُونِي آتِهِ ، فَقَالُوا : ائْتِهِ ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : هَذَا مِكْرَزٌ ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ ، إِذْ جَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ مَعْمَرٌ ، فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : هَذَا سُهَيْلٌ ، قَدْ سَهَّلَ اللَّهُ لَكُمْ أَمْرَكُمْ ، قَالَ مَعْمَرٌ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ فَلَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ ، قَالَ هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا ، وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا ، فَدَعَا الْكَاتِبُ ، فَقَالَ : اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَقَالَ سُهَيْلٌ أَمَّا الرَّحْمَنُ ، فَلَا أَدْرِي وَاللَّهِ مَا هُوَ ، وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : اكْتُبْ هَذَا ، مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ ، وَلَا قَاتَلْنَاكَ ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي ، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ ، إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنِ الْمِسْوَرِ ، وَمَرْوَانَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا ، وَبَيْنَ الْبَيْتِ ، فَنَطُوفُ بِهِ ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، إِنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ ، أَنَّا أَخَذْنَا ضَغْطَةً ، وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو : عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ ، أَوْ يُرِيدُ دِينَكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ ، فِي قُيُودِهِ ، قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَا مُحَمَّدُ هَذَا أَوَّلُ مَنْ نُقَاضِيكَ عَلَيْهِ ، أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إِنَّا لَمْ نُمْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ ، فَقَالَ وَاللَّهِ لَا أُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : فَأَجِزْهُ لِي ، فَقَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ ، قَالَ : فَافْعَلْ قَالَ : مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ، قَالَ مِكْرَزٌ : بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ ، فَقَالَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو : يَا مَعْشَرُ الْمُسْلِمِينَ ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا قَدْ لَقِيتُ ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، إِلَّا يَوْمَئِذٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَقُلْتُ أَلَسْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا ، قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ، وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ؟ ، قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ، إِذَا قَالَ : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَسْتُ أَعْصِي رَبِّي ، وَهُوَ نَاصِرِيٌّ ، قُلْتُ : أَوَ لَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ ، فَنَطُوفُ بِهِ ؟ ، قَالَ : بَلَى ، فَخَبَّرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيَهِ الْعَامَ ، قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِنَّكَ تَأْتِيَهِ ، فَتَطُوفُ بِهِ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا ، قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : أَوَ لَسْنَا عَلَى الْحَقِّ ، وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ، قَالَ : بَلَى ، قُلْتُ : فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا ، إِذَا قَالَ : أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ ، وَهُوَ نَاصِرُهُ ، فَاسْتَمْسَكَ بِغَرْزِهِ ، حَتَّى تَمُوتَ ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ ، قُلْتُ : أَوَ لَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا ، أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ ، وَنَطُوفُ بِهِ ؟ ، قَالَ : بَلَى ، قَالَ : فَأَخْبَرَكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ ، قُلْتُ : لَا ، قَالَ : فَإِنَّكَ آتِيَهِ ، وَتَطُوفُ بِهِ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ : فَعَمِلْتُ فِي ذَلِكَ أَعْمَالًا ، يَعْنِي فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، مِنَ الْكِتَابِ ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : انْحَرُوا الْهَدْيَ ، وَاحْلِقُوا ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ ، مِنْهُمْ رَجَاءَ ، أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَ : مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَوَ تُحِبُّ ذَاكَ اخْرُجْ ، وَلَا تُكَلِّمَنَّ أَحَدًا ، مِنْهُمْ كَلِمَةً ، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ ، وَتَدْعُو حَالِقَكَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، فَخَرَجَ ، وَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ ، حَتَّى نَحَرَ ، بُدْنَهُ ، ثُمَّ دَعَا حَالِقَهُ ، فَحَلَقَهُ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّاسُ جَعَلَ بَعْضُهُمْ ، يُحَلِّقُ بَعْضًا ، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ، قَالَ : ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ }} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : فَطَلَّقَ عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، قَالَ : رَجَعَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ ، وَقَالُوا : الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ ، فَخَرَجَا ، حَتَّى بَلَغَا بِهِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ ، وَاللَّهِ لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا ، يَا فُلَانُ جَيِّدًا ، فَقَالَ أَجَلْ ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ، ثُمَّ جَرَّبْتُ ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ : أَرِنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ ، فَضَرَبَهُ ، حَتَّى بَرَدَ ، وَفَرَّ الْآخَرُ ، حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، قَالَ : قَتَلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي ، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : وَيْلُ أُمِّهِ لَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ ، عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ مَرَّةً أُخْرَى ، فَخَرَجَ ، حَتَّى أَتَى سَيْفَ الْبَحْرِ ، قَالَ وَتَفَلَّتَ ، مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ ، رَجُلٌ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ ، إِلَى الشَّامِ ، إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا ، فَقَتَلُوهُمْ ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، تُنَاشِدُهُ اللَّهَ ، وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ، مِمَّنْ أَتَاهُ ، فَهُوَ آمِنٌ ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا {{ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ }} ، حَتَّى بَلَغَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    طليعة: الطَّلِيعَة : الذي يَنْظُرُ للقوم لَئلاَّ يَدْهَمَهم عدوٌّ أو مقدمة الجيش
    بقترة: القترة : الغبار أو شِبهُ الدخَان
    يركض: يركض : يعدو
    راحلته: الراحلة : البَعيرُ القويّ على الأسفار والأحمال، ويَقَعُ على الذكر والأنثى
    حل: حل الأجل : جاء وقته
    فألحت: ألحت : لزمت مكانها ولم تتحرك
    خلأت: خلأت : بركت من غير علة وَحَرَنَتْ.
    القصواء: القصواء : الناقة المقطوعة الأذن ، وكان ذلك لقبًا لناقة النبي ، ولم تكن مقطوعة الأذن
    ثمد: الثمد : حفرة صغيرة فيها ماء قليل
    يتبرضه: التبرض : الأخذ من الشيء قدرا قليلا
    تبرضا: التبرض : الأخذ من الشيء قدرا قليلا
    نزحوه: نزح البئر : أخذ كل ما فيها من الماء حتى جفت
    كنانته: الكنانة : جعبة صغيرة من جلد تحمل فيها السهام
    يجيش: يجيش : يفيض بالماء
    صدروا: صدروا عنه : رجعوا عنه
    العوذ: العوذ المطافيل : الإبل وأولادها أو النساء وصغارها
    المطافيل: المطافيل : جمع مُطْفِل وهي النَّاقةُ القريبَة العَهْد بالنّتاج معها طِفْلُها والمعنى أنَّهم جاءوا بأجمْعهم كبارهم وصغارهم
    نهكتهم: نهكتهم : أضعفتهم
    ماددتهم: مادَّ غَيْرَه : جعل بينه وبينهم مدة صلح وهدنة وأطالها
    جموا: جم : استراح من جهد الحرب
    أبوا: أبى : رفض وامتنع، واشتد على غيره
    سالفتي: السالِفَة : صَفْحة العُنُق، وهما سالِفَتان من جانِبَيه
    سفهاؤهم: السَّفَه : الخفّة والطيشُ، وسَفِه رأيُه إذا كان مَضْطربا لا اسِتقامَةَ له، والسفيه : الجاهلُ
    استنفرت: الاستنفار : الاستنجاد والاستنصار وطلب الخروج للقتال والجهاد
    بلحوا: بلحوا : أبَوْا
    ببظر: بظر اللات : البظر قطعة لحم بين جانبي فرج المرأة ، وكان من عادة العرب أن يقولوا لمن يسبونه أو يشتمونه : امصص بظر أمك ، فاستعار أبو بكر رضي الله عنه ذلك في اللات لتعظيمهم إياها ، فقصد المبالغة في سبه
    اللات: اللات : اسم صنم كان يعبد في الجاهلية
    سيف: سيف البحر : ساحل البحر
    بنعل: نعل السيف : حديدة في أسفل جفنه
    يرمق: رمق : نظر وتأمل وراقب
    يحدون: أحد البصر : نظر بإمعان وتدقيق
    ابتدروا: ابتدر الشيءَ وله وإليه : عجل إليه واستبق وسارع
    البدن: البُدْن والبَدَنَة : تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدَنةً لِعِظَمِها وسِمْنَها.
    قلدت: قلد الهدي : علق في عنقه ما يدل على إهدائه للحرم
    وأشعرت: الإشعار : شَقُّ أحَد جَنْبَي البَدَنة حتى يَسِيل دمُها وجَعل ذلك لها عَلامة تُعْرف بها أنها هَدْيٌ
    تخلوا: خَلَّى : ترك وابتعد وأفسح
    يرسف: الرّسْفُ والرّسيف : مَشيُ المُقَيَّد إذا جاء يتحاملُ برِجْله مع القَيد.
    فأجزه: فأجزه لي : أمض لي فعلي فيه
    الدنية: الدنية : الخصلة المذمومة
    بغرزه: الغرز : ركاب الجمل من الجلد أو الخشب
    تنحر: النحر : الذبح
    بدنك: البُدْن والبَدَنَة : تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدَنةً لِعِظَمِها وسِمْنَها.
    نحر: النحر : الذبح
    بدنه: البُدْن والبَدَنَة : تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدَنةً لِعِظَمِها وسِمْنَها.
    جربت: جرب : اختبر
    برد: برد : مات أو أوشك على الموت
    يعدو: يعدو : يجري
    ذعرا: الذعر : الفزع والخوف الشديد
    ذمتك: الذمة والذمام : العَهْد، والأمَانِ، والضَّمان، والحُرمَة، والحقِّ
    حمية: الحمية : الأنفة والغيرة
    حميتهم: الحمية : الأنفة والغيرة
    يقروا: الإقرار : الاعتراف والإثبات والقبول
    لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرْمَةَ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا
    حديث رقم: 1621 في صحيح البخاري كتاب الحج باب من أشعر وقلد بذي الحليفة، ثم أحرم
    حديث رقم: 1730 في صحيح البخاري أبواب المحصر باب النحر قبل الحلق في الحصر
    حديث رقم: 2608 في صحيح البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط
    حديث رقم: 3952 في صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية
    حديث رقم: 3971 في صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية
    حديث رقم: 3972 في صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية
    حديث رقم: 1526 في سنن أبي داوود كِتَاب الْمَنَاسِكِ بَابٌ فِي الْإِشْعَارِ
    حديث رقم: 2429 في سنن أبي داوود كِتَاب الْجِهَادِ بَابٌ فِي صُلْحِ الْعَدُوِّ
    حديث رقم: 2430 في سنن أبي داوود كِتَاب الْجِهَادِ بَابٌ فِي صُلْحِ الْعَدُوِّ
    حديث رقم: 4099 في سنن أبي داوود كِتَاب السُّنَّةِ بَابٌ فِي الْخُلَفَاءِ
    حديث رقم: 2753 في السنن الصغرى للنسائي كتاب مناسك الحج إشعار الهدي
    حديث رقم: 2687 في صحيح ابن خزيمة كِتَابُ الْمَنَاسِكِ جُمَّاعُ أَبْوَابِ ذِكْرِ أَفْعَالٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِبَاحَتِهِ لِلْمُحْرِمِ ، نَصَّتْ
    حديث رقم: 2688 في صحيح ابن خزيمة كِتَابُ الْمَنَاسِكِ جُمَّاعُ أَبْوَابِ ذِكْرِ أَفْعَالٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إِبَاحَتِهِ لِلْمُحْرِمِ ، نَصَّتْ
    حديث رقم: 18547 في مسند أحمد ابن حنبل أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ ، وَمَرَوَانَ بْنِ الْحَكَمِ
    حديث رقم: 18548 في مسند أحمد ابن حنبل أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ ، وَمَرَوَانَ بْنِ الْحَكَمِ
    حديث رقم: 18557 في مسند أحمد ابن حنبل أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ ، وَمَرَوَانَ بْنِ الْحَكَمِ
    حديث رقم: 18559 في مسند أحمد ابن حنبل أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ ، وَمَرَوَانَ بْنِ الْحَكَمِ
    حديث رقم: 18563 في مسند أحمد ابن حنبل أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهْرِيِّ ، وَمَرَوَانَ بْنِ الْحَكَمِ
    حديث رقم: 4962 في صحيح ابن حبان كِتَابُ السِّيَرِ بَابُ الْمُوَادَعَةِ ، وَالْمُهَادَنَةِ
    حديث رقم: 3624 في السنن الكبرى للنسائي كِتَابُ المناسك إِشْعَارُ الْهَدْيِ
    حديث رقم: 8311 في السنن الكبرى للنسائي كِتَابُ السِّيَرِ مُشَاوَرَةُ الْإِمَامِ النَّاسَ إِذَا كَثُرَ الْعَدُوُّ ، وَقَلَّ : مَنْ مَعَهُ
    حديث رقم: 8570 في السنن الكبرى للنسائي كِتَابُ السِّيَرِ بَابٌ تَوْجِيهُ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ
    حديث رقم: 16277 في مصنّف بن أبي شيبة كِتَابُ الْحَجِّ فِي الْإِشْعَارِ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا ؟
    حديث رقم: 35407 في مصنّف بن أبي شيبة كِتَابُ الرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ مَسْأَلَةُ إِشْعَارِ الْهَدْيِ
    حديث رقم: 36166 في مصنّف بن أبي شيبة كِتَابُ الْمَغَازِي غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ
    حديث رقم: 36176 في مصنّف بن أبي شيبة كِتَابُ الْمَغَازِي غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ
    حديث رقم: 16845 في المعجم الكبير للطبراني مَنِ اسْمُهُ مِسْوَرٌ
    حديث رقم: 16846 في المعجم الكبير للطبراني مَنِ اسْمُهُ مِسْوَرٌ
    حديث رقم: 17629 في المعجم الكبير للطبراني مَنِ اسْمُهُ مَرْوَانُ
    حديث رقم: 9417 في مصنّف عبد الرزاق كِتَابُ الْمَغَازِي غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ
    حديث رقم: 9478 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْحَجِّ جُمَّاعُ أَبْوَابِ الْإِحْصَارِ
    حديث رقم: 9479 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْحَجِّ جُمَّاعُ أَبْوَابِ الْإِحْصَارِ
    حديث رقم: 9563 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْحَجِّ جُمَّاعُ أَبْوَابِ الْهَدْيِ
    حديث رقم: 9588 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْحَجِّ جُمَّاعُ أَبْوَابِ الْهَدْيِ
    حديث رقم: 9589 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْحَجِّ جُمَّاعُ أَبْوَابِ الْهَدْيِ
    حديث رقم: 13072 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ النِّكَاحِ جُمَّاعُ أَبْوَابِ نِكَاحِ حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَإِمَائِهِمْ وَإِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
    حديث رقم: 13073 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ النِّكَاحِ جُمَّاعُ أَبْوَابِ نِكَاحِ حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَإِمَائِهِمْ وَإِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
    حديث رقم: 17016 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ السِّيَرِ جِمَاعُ أَبْوَابِ السِّيَرِ
    حديث رقم: 17518 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ جِمَاعُ أَبْوَابِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَمَا
    حديث رقم: 17520 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ جِمَاعُ أَبْوَابِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَمَا
    حديث رقم: 17542 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ جِمَاعُ أَبْوَابِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَمَا
    حديث رقم: 17544 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ جِمَاعُ أَبْوَابِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَمَا
    حديث رقم: 17567 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ جِمَاعُ أَبْوَابِ الشَّرَائِطِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَمَا
    حديث رقم: 18910 في السنن الكبير للبيهقي كِتَابُ آدَابِ الْقَاضِي بَابُ مُشَاوَرَةِ الْوَالِي وَالْقَاضِي فِي الْأَمْرِ
    حديث رقم: 490 في المنتقى لابن جارود كِتَابُ الْمَنَاسِكِ بَابُ الْمَنَاسِكِ
    حديث رقم: 2981 في السنن الصغير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ بَابُ الْمُهَادَنَةِ عَلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ
    حديث رقم: 2982 في السنن الصغير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ بَابُ الْمُهَادَنَةِ عَلَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ
    حديث رقم: 2990 في السنن الصغير للبيهقي كِتَابُ الْجِزْيَةِ بَابُ نَقْضِ أَهْلِ الْعَهْدِ الْعَهْدَ
    حديث رقم: 2660 في شرح معاني الآثار للطحاوي كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ بَابُ حُكْمِ الْمُحْصَرِ بِالْحَجِّ
    حديث رقم: 4098 في شرح معاني الآثار للطحاوي كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالْأَضَاحِيِّ بَابُ الْبَدَنَةِ , عَنْ كَمْ تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا
    حديث رقم: 514 في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم وَمِنْ ذِكْرِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ
    حديث رقم: 515 في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم وَمِنْ ذِكْرِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ
    حديث رقم: 37 في مسند أبي يعلى الموصلي مسند أبي يعلى الموصلي مُسْنَدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
    حديث رقم: 494 في كتاب الناسخ والمنسوخ للنحاس سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ بَابُ ذِكْرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ
    حديث رقم: 1151 في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني الأسمَاء بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ لَهُ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ 10
    حديث رقم: 4376 في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني الأسمَاء عُمَرُ بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ : وَقِيلَ : عَمْرٌو ، وَافِدُ خُزَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ سَالِمٍ
    حديث رقم: 4510 في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني الأسمَاء عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ الْكَلْبِيُّ الشَّاعِرُ ، رَسُولُ بَنِي خُزَاعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لَاسْتُنَصَارِهِمْ بِهِ عَلَى قُرَيْشٍ حِينَ أَخْفَرُوا ذِمَّتَهُ ، ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، وَمَرْوَانَ ، وَغَيْرِهِمْ
    حديث رقم: 4782 في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني الأسمَاء عُتْبَةُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ يُكَنَّى أَبَا بَصِيرٍ ، كَانَ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ ، فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ فِي الْهُدْنَةِ بَعْدَ الْقَضِيَّةِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، وَسَمَّاهُ مِسْعَرُ بْنُ حَرْبٍ ، فَكَتَبَ فِيهِ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ ، وَأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَتَلَ أَبُو بَصِيرٍ صَاحِبَهُمَا ، وَنَزَلَ الْعَيْرَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْمَحْتَبَسُونَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَضَيَّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَمَرَّهُمْ ، يَقْطَعُونَ عَلَيْهِمُ الْعِيرَ ، حَتَّى كَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَدِّهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ
    حديث رقم: 5730 في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني الأسمَاء مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ
    حديث رقم: 672 في الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي بَابُ الْكَلَامِ فِي أَحْكَامِ الْأَدَاءِ وَشَرَائِطِهِ
    حديث رقم: 3316 في الأوسط لابن المنذر كِتَابُ قَسْمِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ جِمَاعُ أَبْوَابِ الصُّلْحِ وَالْعُهُودِ الْجَائِزَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ سِوَى
    حديث رقم: 46 في مُشكِل الآثار للطحاوي مُشكِل الآثار للطحاوي بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ فِي السَّبَبِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَتْ وَهُوَ
    حديث رقم: 2161 في مُشكِل الآثار للطحاوي مُشكِل الآثار للطحاوي بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
    حديث رقم: 2162 في مُشكِل الآثار للطحاوي مُشكِل الآثار للطحاوي بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
    حديث رقم: 3299 في مُشكِل الآثار للطحاوي مُشكِل الآثار للطحاوي بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

    كانَ صُلحُ الحُديْبيَةِ فَتْحًا مِن اللَّهِ لرَسولِه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؛ لأنَّ نَتائِجَهُ كانَت مُثمِرةً للإسلامِ والمُسلِمينَ، كما وقَعَتْ فيه أحكامٌ مِن التَّيسيرِ على المُسلِمين.وفي هذا الحديثِ يروي المسور بن مخرمة رَضيَ اللهُ عنه والتابعي مروان بن الحكم أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَرَجَ زمَنَ الحُدَيبِيةِ هو وأصحابُه في السَّنةِ السَّادسةِ مِن الهجرةِ، حتَّى إذا كانوا بِبَعضِ الطَّريقِ قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ خالِدَ بنَ الوَليدِ بالغَميمِ -وكان خالدٌ وقْتَذاك على الكُفرِ، والغَميمُ: وادٍ بناحيةِ الحجازِ بيْن مكَّةَ والمدينةِ، ويَبعُدُ نحْوَ (60 كم) عن مكَّةَ المكرَّمةِ- في خَيلٍ لقُريشٍ طَليعةٌ، وهو مَن يُبعَثُ لِيَطَّلِعَ على حالِ العدُوِّ، كَالجاسوسِ، فأمَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصحابَه أنْ يَأخُذوا ذاتَ اليمينِ، فيَتنحَّوْا ويَبعُدوا عن الطَّريقِ التي فيها خالِدٌ وأصحابُه، فلمْ يَشعُرْ بِهم خالدٌ، وفُوجِئَ «بقَتَرةِ الجَيشِ»، أي: الغُبارِ الأسودِ الذي أثارَتْهُ حَوافِرُ خَيلِ الجَيشِ، فما كانَ مِن خالدٍ إلَّا أنِ انطلَقَ يَرْكُضُ نَذيرًا لقُريشٍ يُخبِرُهمْ بقُدومِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واقترابِهِ مِن مكَّةَ، والمرادُ بِالرَّكْضِ: ضَربُ الخَيلِ بالأَرجُلِ على بُطونِها لاستِعجالِها في الإسراعِ، واستكْمَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سَيْرَه، حتَّى إذا كانَ بالثَّنِيَّةِ -وهِيَ ثَنِيَّةُ المُرارِ، وهيَ طَريقٌ في الجَبلِ، وقيلَ: مَوضِعٌ بيْن مكَّةَ والمدينةِ مِن طَريقِ الحُديْبِيةِ، وهيَ طَريقُه المُعتادُ إلى مكَّةَ- بَرَكَتْ راحِلةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهيَ النَّاقةُ التي يَركَبُ عليها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والبَرْكُ: جُلوسُ البَعيرِ، فلمَّا رَأى النَّاسُ ما فَعَلَت النَّاقةُ، قالوا: «حَلْ حَلْ» وهيَ كلِمةٌ تُستَعملُ لزَجرِ الجَمَلِ وحمْلِه علَى المَسيرِ، ثمَّ قالوا: «خَلأَتِ القَصْواءُ»، أي: وَقَفتْ وبَرَكتْ وامتنَعَتْ مِن المشْيِ، والقَصواءُ: اسمُ ناقةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فنَفى عنها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تِلكَ الصِّفةَ، وقالَ: «وَما ذَاكَ لها بخُلُقٍ»، فليسَ امتناعُها عن المشْيِ لها بِعادةٍ، ولكنَّ السَّببَ أنَّها حَبَسها حابِسُ الفيلِ، والمرادُ بالفيلِ: فِيلُ أَبرهةَ الحَبَشِيِّ الذي أتَى بهِ لهدْمِ الكَعبةِ، فمَنَعهُ اللهُ مِن دُخولِ مكَّةَ بجُلوسِ الفيلِ، وهذا ما فَعلَتْهُ النَّاقةُ.ثمَّ أقسَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ كفَّارَ قُريشٍ لنْ يَسأَلوهُ أمرًا يتَّفِقونَ فيه على منْعِ القِتالِ تَعظيمًا لمكَّةَ والكعبةِ، إلَّا وافَقَ علَيْه؛ مِن أَجلِ حُرمةِ تلكَ الأماكِنِ وعِظَمِها عندَ اللهِ، ثمَّ زجَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ النَّاقةَ فوَثَبتْ، أي: قامتْ، فعَدَلَ عن اتِّجاهِ قُريشٍ ووَلَّى راجعًا حتَّى نزَلَ بِأقْصى الحُدَيبِيةِ على ثَمَدٍ قَليلِ الماءِ، والثَّمَدُ: حُفرةٌ بها ماءٌ قليلٌ، وقولُهُ: «يتَبرَّضُه النَّاسُ تَبرُّضًا»، أي: يَأخُذونَهُ قليلًا قليلًا، ولم يُبقُوا مِن الماءِ شيئًا، بل أخَذوه كلَّه، فشَكا النَّاسُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العَطشَ، فانتزَعَ سَهْمًا مِن كِنانَتِه، ثمَّ أمَرَهمْ أنْ يَجعَلوهُ في تِلكَ الحُفرةِ -والكِنانةُ: هي حافِظةُ الأَسهُمِ- فَفار الماءُ وارتَفَعَ في الحُفرةِ حتَّى شَرِبوا جَميعًا وارْتوَوْا، حتَّى إنَّهمْ صَدَرُوا عنه، أي: رَجَعوا عنه بعْدَ أنْ قَضَوا حاجَتَهُمْ منه وارْتوَوْا، وهُذا مِن مُعجِزاتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ودَلائلِ نُبوَّتِهِ الشَّريفةِ.وبَيْنما الناسُ على تلكَ الحالةِ إذْ جاءَ بُديلُ بنُ وَرقاءَ الخُزاعِيُّ رَضيَ اللهُ عنه في نَفَرٍ مِن قَومِهِ مِن خُزاعةَ، وخُزاعةُ: اسمُ قَبيلةٍ، يُنسَبُ إليها بُديلُ بنُ وَرقاءُ، وكانُوا عَيْبةَ نُصْحِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أهلِ تِهامةَ، والمرادُ بالعَيْبةِ: مَحلُّ نُصحِهِ ومَوضِعُ أَسرارِهِ، وهُم إنْ كانوا مِن خُزاعةَ فهمْ أيضًا مِن أهلِ تِهامةَ، وتِهامةُ: مكَّةُ وما حَولها مِن البُلدانِ، فقالَ بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ: «إِنِّي تَركْتُ كَعبَ بنَ لُؤَيٍّ وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلوا أعدادَ مِياهِ الحُديْبِيةِ، ومَعَهم العُوذُ المَطافيلُ، وهمْ مُقاتِلوكَ وصادُّوكَ عنِ البيتِ»، وذِكْرُ بُدَيلٍ لهذَينِ الاسْمينِ كِنايةٌ عن أَهلِ مكَّةَ؛ لكونِ قُريشٍ الذين كانوا بمكَّةَ أجمَعَ يَرجِعُ أنْسابُهمْ إليهِما، والمرادُ بأنَّهمْ نَزَلوا أَعْدادَ مياهِ الحُدَيبِيةِ: كثرةُ أَعدادِهمْ، أيْ: كَثرةُ الماءِ الذي يتَّسِعُ لهمْ مكانَ الحُدَيْبِيةِ، والعُوذُ المَطافيلُ: النَّاقةُ التي مَعها ولَدُها، وقيلَ: هيَ النِّساءُ ومعَها أولادُها، وهو كِنايةٌ عنِ استِعدادِهمْ لصَدِّ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنِ الوُصولِ إلى البيتِ ولوْ بِالقتالِ، فأجابَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأوضَحَ لبُدَيلٍ أنَّهمْ لم يَأْتوا لِقتالٍ، ولكنَّهمْ أَتوْا إلى البيتِ الحرامِ مُعتَمِرينَ، وعلى قُريشٍ أنْ تُخلِّي بيْنهُ وبيْن البيتِ خاصَّةً، وأنَّ قُريشًا قدْ نَهِكَتهُم الحرْبُ، أي: أَتعَبتْهُمْ حتَّى بَلَغَ بهم الضَّررُ مِن تِلكَ الحروبِ، فَعلى قُريشٍ أنْ تَختارَ بيْن أنْ يكونَ بيْننا وبيْنهمْ صُلحٌ وهُدنةٌ زَمنيَّةٌ يُخلُّون فيها بيْن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبيْن مَن تَبقَّى مِن كُفَّارِ العربِ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فإنْ أظْهرْ: فإنْ شاؤوا أنْ يَدخُلوا فيما دَخَلَ فيه الناسُ فَعَلوا، وإلَّا فقدْ جَمُّوا»، والجَمُّ: الرَّاحةُ، والمرادُ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنْ ظهَرَ على مَن بقِيَ مِن كفَّارِ العربِ وغلَبَهمْ؛ فإنْ شاءتْ قُريشٌ اتَّبعَتْه كما اتَّبعَه النَّاسُ، وإلَّا بَقُوا على صُلحِهمْ وهُدنتِهم معه، وهم في كِلتا الحالتينِ يكونونَ قدِ اسْتراحوا مِن جَهدِ الحربِ، ثمَّ يُقسِمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ قُريشًا لَو امتَنعَتْ وأبَتْ ليُقاتِلنَّهمْ على ما جاءَ عليه فقال: «فوُالَّذي نفْسي بيَدِه، لَأُقاتِلنَّهم على أمْرِي هذا حتَّى تَنفرِدَ سالِفَتي»، فيَنفصِلَ مُقدَّمُ العُنقِ، وهو كِنايةٌ عنِ القِتالِ حتَّى الموتِ، وأقسَمَ أنَّ اللهَ لَيَنصُرَنَّ دِينَه ويُظهِرُه، فهوَ نافِذٌ وماضٍ على كلِّ حالٍ.فأجابَ بُدَيلُ بنُ وَرْقاءَ رَضيَ اللهُ عنه النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّهُ سيُبلِّغُ قُريشًا قولَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعَرْضَهُ لهمْ، فأَتى بُدَيلٌ قُريشًا وأَبلَغَهمْ أنَّه أَتى مِن عِندِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومعَهُ منه مَقالةٌ، وخيَّرهُمْ في عَرضِها عليهمْ، فرَفَضَ سُفهاؤُهمْ أنْ يُخبِرَهمْ بشَيءٍ، وطلَبَ ذَوُو الرَّأيِ منهُم السَّماعَ، فحدَّثهُمْ بقَولِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقامَ عُروةُ بنُ مَسعودٍ بعْدَ سَماعهِ مَقالةَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالَ: «أيْ قَومٍ، أَلَسْتُم بِالوالِدِ؟ قَالوا: بَلى، قالَ: أوَلسْتُ بالولَدِ؟ قالوا: بَلى»، وهذا يدُلُّ على كَمالِ الشَّفَقةِ والمحبَّةِ التي تكونُ مِن الأبِ للابنِ، والنُّصحِ الذي يكونُ مِن الابنِ للأبِ، «قال: فهلْ تتَّهِموني؟ قالوا: لا، قالَ: ألَستُمْ تَعلمونَ أنِّي استَنْفرْتُ أهلَ عُكاظٍ» سُوقٌ بِناحِيةِ مكَّةَ، والمرادُ باستنفارِهم: دَعوتُهم إلى القتالِ نُصرةً لقُريشٍ. «فلمَّا بلَّحُوا علَيَّ» أي: امتَنعوا، «جِئتُكمْ بِأهلي ووَلَدي ومَن أَطاعني؟ قالوا: بَلى». وهذا خِطابٌ يَستَجلِبُ به مُوافقَتَهم على طلَبِهِ، ألَا وَهو: أنْ يَأتيَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَ أنْ أَعْجَبتْهُ خُطَّةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ التي عرَضَها بُدَيلٌ، فجاء إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وجعَلَ يَتكلَّمُ معَه، فأَجابَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بِمِثلِ إِجابتِهِ لبُديلِ بنِ وَرْقاءَ، فلمَّا وجَدَ عُروةُ منهُ ذلكَ، قالَ: «أيْ مُحمَّدُ، أَرأَيْتَ إنِ استَأْصَلْتَ أمْرَ قومِكَ» ويَقصِدُ بقَومِه قُريشًا، «هلْ سمِعْتَ بأحدٍ مِن العَربِ اجْتاحَ أَهْلَهُ قَبلكَ؟!» والاستِئصالُ، والاجْتِياحُ: هوَ القَضاءُ علَيهِم وقطْعُ دابرِهِم، ثمَّ قالَ: «وإنْ تكُنِ الأُخْرى، فإنِّي واللهِ لَأَرى وُجوهًا، وإِنِّي لَأَرى أَشْوابًا مِن النَّاسِ خَليقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعوكَ»، والأشْوابُ: الأَخْلاطُ مِن النَّاسِ ومِن شَتَّى القَبائلِ، و«خَليقًا»، أي: حَقِيقًا، والمرادُ: وإنْ كانت الغَلبَةُ لِقُريشٍ، فما يَلبَثُ أنْ يَترُكَكَ أتباعُكَ ويَفِرُّوا عنكَ، وهذا مُحقَّقٌ فيهم؛ لأنَّهم مِن أَخلاطِ النَّاسِ، فلمَّا قالَ عُروةُ كلِمَتهُ تلكَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ردَّ عليه أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه قائلًا: «امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ؛ أنَحنُ نفِرُّ عنه وندَعُهُ؟!»، والبَظْرُ: قِطعةُ لحمٍ بيْنَ شَفرَيْ فَرْجِ المرأةِ، واللَّاتُ: اسمٌ لصَنمٍ مِن أَصنامِ قُريشٍ، وهِي كِنايةٌ للعَربِ تُستَعمَلُ لمنْ أَرادَ أنْ يَسُبَّ غيرَه، فأهانَ أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه عُروةَ في آلهتِهِ؛ ردًّا منه على إهانةِ عُروةَ لهمْ بِادِّعائهِ أنَّهم يَفِرُّون عنْ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ويَدَعونَه، فسَأَلَ عُروةُ: مَن هذا؟ فقيلَ لهُ: أَبو بَكرٍ، فتَذَكَّرَه عُروةُ وتَذكَّرَ مَحْسَنةً لهُ معَه، فلمْ يُجِبْه ولم يرُدَّ على شَتْمِه وسَبِّه له، وقالَ: «لَولا يَدٌ كانتْ لكَ عِندي» ويَقصِدُ نَوعًا مِن الجميلِ والنِّعمةِ كان قدَّمَها أبو بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنه لعُروة، «لَمْ أَجْزِكَ بِها»، أي: لم أكافئك بها، «لأجَبْتُكَ» أي: لَكان الرَّدُّ قاسيًا، وجَعَلَ عُروةُ يُكلِّمُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكُلَّما تكلَّمَ أخذَ بلِحْيتِهِ -جاريًا على عادةِ العرَبِ، وكانوا يَستعمِلونه كثيرًا، يُريدون بذلك التَّحبُّبَ والتَّواصُلَ- والمُغيرَةُ بنُ شُعبةَ رَضيَ اللهُ عنه واقفٌ بجِوارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومعَهُ السَّيفُ وعليه المِغْفَرُ، وهو ما يُوضَعُ على الرَّأسِ تحتَ الخُوذَةِ ويُسدَلُ على الوَجهِ لِيحمِيَهُ مِن ضَرَباتِ السَّلاحِ، فلمْ يَعرِفْه عُروةُ، حتَّى إنَّ عُروةَ كلَّما مَدَّ يَدَه إلى لِحيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ضرَبَ المُغيرةُ يَدَهُ بنَعْلِ السَّيفِ، يقولُ له المُغيرةُ: أخِّرْ يدَكَ عن لِحيةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فلمَّا عَرَفهُ عُروةُ تَذكَّرهُ وتَذكَّر غَدْرَتَه فقال له: «أيْ غُدَرُ! ألَسْتُ أسْعَى في غَدْرَتِكَ؟!» وكانَ عُروةُ عمَّه، وكانَ المُغيرةُ قدْ صَحِبَ قومًا في الجاهِليَّةِ، فقَتَلَهُمْ وأخَذَ أموالَهم، ثمَّ جاءَ فأسلَمَ، حتَّى إنَّ عمَّه عُروةَ ما زالَ يَسعَى في دَفْعِ فِديةِ غَدْرَتِهِ هذِه، وقدْ ردَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على فِعلَةِ المُغيرةِ بِقولهِ: «أمَّا الإسلامَ فأَقبَلُ، وأمَّا المالَ فلسْتُ منهُ في شَيءٍ»، أيْ: وأمَّا المالُ فلا نَقْبلُهُ لكَوْنهِ مالًا مَغصوبًا أتَى بطَريقةِ الغَدْرِ.ثمَّ إنَّ عُروةَ جَعَلَ يَرمُقُ أصْحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُلاحِظُ أحوالَهُم مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَيْنيْهِ، وعَدَّ عُروةُ بَعضَ المُلاحظاتِ التي وجَدَها في عَلاقةِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم بِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، منها: أنَّهُ ما تَنخَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نُخامةً إلَّا وقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ مِنهُمْ، فدلَّكَ بها وَجهَهُ وجِلدَه، والنُّخامةُ: ما يَخرُجُ مِن الصَّدرِ إلى الفَمِ، ومنها: ابتِدارُهمْ في أمرِهِ، وهو الإسراعُ في تَلبِيةِ حاجاتِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومِنها: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا توضَّأَ كادوا يَقتَتِلونَ على وَضوئِهِ، وهو الماءُ المتبقِّي منه، ومنها: أنَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا تَكلَّمَ خفَضُوا أصواتَهُم عِندَه، ومنها: أنَّهم كانوا رِضوانُ اللهِ عليهمْ ما يُحِدِّونَ إليه النَّظرَ تَعظيمًا له، والإحدادُ: شِدَّةُ النَّظرِ.فرَجَعَ عُروةُ إلى قَومِهِ يُخبِرُهم بما جَرى معَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن مُحاوراتٍ ومُباحثاتٍ، وأوَّلُ ما بَدَأَ في عَرضهِ معَهمْ هوَ شِدَّةُ إعجابِهِ وتَعجُّبِهِ بعَلاقةِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهمْ بِالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى إنَّهُ قارَنَ بيْن تِلكَ العَلاقةِ وعَلاقةِ أصحابِ الملوكِ بمُلوكِهمْ في تَعظيمِهم لهمْ، كقَيصرَ، وكِسرى، والنَّجاشِيِّ، وبيَّنَ لهمُ المُفارقةَ بيْن هؤلاءِ وهؤلاءِ، وعرَضَ بعضَ الصُّورِ المذكورةِ علَيهِمْ، ثمَّ أكَّدَ لهمْ أنَّ خُطَّةَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ السَّابِقةَ خُطَّةُ رُشدٍ، أي: فيها الصَّوابُ لقُريشٍ، فَقالَ رجُلٌ مِن بنِي كِنانةَ عقِبَ انتِهاءِ عُروةَ مِن مَقالتِهِ: «دَعوني آتِيهِ»، يَقصِدُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فوافَقوه، فلمَّا أنِ اقتَرَبَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصْحابِهِ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هذا فُلانٌ، وهُو مِن قَومٍ يُعظِّمونَ البُدْنَ، فابْعَثوها لهُ»، أي: إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عرَفَه وعرَّفهُ لأصحابِهِ، ويُقالُ هو: الحُلَيْسُ بنُ عَلقمةَ الحارِثيُّ، والمرادُ بتَعظيمِهمُ البُدْنَ: عدَمُ استِحلالِهمْ للإبلِ أو البقَرِ؛ لأنَّها ممَّا يُهدَى إلى الحَرمِ، فأَرادَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإِرْسالِها أمامَهُ أنْ يُؤَكِّدَ لهُ صِدقَ نَواياهُ وصِدقَ خُطَّتِهِ بأنَّهمْ أَتَوا مُعتَمِرينَ، ففَعَلَ الصَّحابةُ ما أمَرَهمْ بهِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُضافُ إلى ذلكَ استِقبالُ النَّاسِ لَهُ وهُم في حالةِ التَّلْبِيةِ، فلمَّا رأَى الرَّجلُ هذا المشهدَ قالَ مُتعجِّبًا: «سُبحانَ اللهَ! ما يَنبغي لهؤُلاءِ أنْ يُصدُّوا عنِ البيتِ»، أي: ما يَنبغي لأحدٍ أنْ يَمنَعَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابَه عن أداءِ عُمرتِهمْ، فرجَعَ إلى قَومِهِ؛ ليَعرِضَ عليهمْ ما رأَى قائِلًا: «رَأيتُ البُدْنَ قدْ قُلِّدتْ وأُشعِرَتْ»، وتَقليدُ البُدنِ: أنْ يُعلَّقَ شَيءٌ في عُنِقها، وإشعارُها: أنْ يُجعَلَ على البَدَنةِ عَلامةٌ يُعلَمُ بها أنَّها مِن الهَدْيِ.ثمَّ طَلَبَ مِكْرَزُ بنُ حَفصٍ مِن قُريشٍ أنْ يَأتيَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فوافَقوا، فلمَّا أنِ اقترَبَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِهِ، قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «هَذا مِكْرَزٌ، وهُوَ رجُلٌ فاجِرٌ»، وجعَلَ يَتكلَّمُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبيْنما هم على تِلكَ الحالةِ إذْ أتاهُ سُهيلُ بنُ عمرٍو، فاستَبْشرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتى إنَّه قالَ: «لقدْ سَهُلَ لكُمْ مِن أَمرِكُمْ»، فلمَّا جاءَهُ سُهيلٌ طلَبَ مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَأتيهِ بِكِتابٍ يَكتُبُه يكونُ بيْن قُريشٍ والنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِهِ رِضوانُ اللهِ عليهمْ، ويُرادُ بالكِتابِ: مُعاهدةٌ أو هُدْنةٌ تكونُ بيْن المسلمينَ والكفَّارِ في أمْرهِمْ هذا، فدَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كاتِبَه -هوَ: علِيُّ بنُ أبي طالبٍ- وبدَأَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كتابَهُ بِـ«بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ»، فاعترَضَ سُهيلٌ على قولِهِ: «الرَّحمنِ»، وقالَ: «أمَّا الرَّحمنُ فواللهِ ما أَدْري ما هوَ، ولكنِ اكْتُبْ بـِ(اسمِكَ اللَّهمَّ) كما كُنتَ تَكتُبُ»، وقدْ كانَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَدءِ الإسلامِ يَكتُبُ ذلكَ، فاعترَضَ الصَّحابةُ على تَغييرِ البَسْملةِ، فنزَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على رَغبةِ سُهَيلٍ، وطلَبَ مِن كاتِبهِ أنْ يَكتُبَ «باسمِكَ اللَّهُمَّ»، ثمَّ استَكمَلَ الكتابةَ، وفِيها: «هذا ما قاضَى عليْهِ مُحمَّدٌ رسولُ اللهِ»، فاعتَرَضَ سُهيلٌ، وقالَ: واللهِ لو كنَّا نَعلَمُ أنكَ رسولُ اللهِ ما صدَدْناكَ عنِ البيتِ، ولا قاتَلْناكَ، ولكنِ اكتُبْ: «مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ». فأجابَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالَ: «واللهِ إِنِّي لرسولُ اللهِ وإنْ كذَّبتُموني، اكتُبْ (مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ)»، وما فعَلَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَصديقًا لقولِه: «والَّذي نَفْسي بيدِهِ، لا يَسأَلُوني خُطَّةً يُعظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أَعْطَيتُهمْ إيَّاها».ثمَّ بَدَؤوا في كِتابةِ شُروطِ الصُّلحِ، وفيها: أنْ تُخَلُّوا بَيْننا وبيْنَ البيتِ لِنَطوفَ بهَ، فأقرَّهُ سُهيلٌ، ولكنْ على أنْ يكونَ الطَّوافُ في العامِ المُقبلِ؛ حتَّى لا تَتحدَّثَ العربُ أنَّهمْ أُخِذوا ضُغْطةً، أي: قَهرًا وإجبارًا، فوافَقَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومِنها أيْضًا: وأنَّهُ لا يَأتي رَجلٌ مِن قُريشٍ مُسلِمًا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، إلَّا رَدَّهُ عليهمْ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقدِ اعترَضَ الصَّحابةُ على هذا الشَّرْطِ، وقالوا مُتعجِّبينَ: سُبحانَ اللهِ! كيفَ يُرَدُّ إلى المُشركينَ وقدْ جاءَ مسلِمًا؟! فبَيْنما هُم كذلكَ يَتفاوَضونَ على هذا الشَّرطِ إذْ دخَلَ أَبو جَندلِ بنُ سُهَيلِ بنِ عَمرٍو يَرسُفُ في قُيودِهِ، وقدْ خرَجَ مِن أسفلِ مكَّةَ حتَّى رَمى بِنفْسهِ بيْنَ أظهُرِ المُسلمينَ، والرَّسْفُ: المَشيُ البَطيءُ بسَببِ القُيودِ، فلمَّا رآهُ سُهيلٌ، قالَ: إنَّ هذا أوَّلُ مَن يَدخُلُ في هذ الشَّرطِ، فأَجابَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّا لم نَقضِ الكتابَ بعْدُ»، أي: لم نَنتهِ منهُ حالَ دُخولِ أَبي جَندلٍ عَلَيْنا، فتَعنَّتَ سُهيلٌ، وقالَ: «فواللهِ إذنْ لَمْ أُصالِحْكَ على شَيءٍ أَبدًا»، فوافَقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على هذا الشَّرطِ على أنْ يَستَثْنِيَ منهُ أبا جَندلٍ، وفاوَضَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سُهَيلًا مرَّةً أُخرى: «فأَجِزْهُ لي»، أي: وافِقْ على أَبي جَندلٍ بصِفةٍ خاصَّةٍ، فرَفَضَ سُهيلٌ طلَبَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وَاستمرَّت هذه الحالُ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبِسُهيلِ بنِ عَمرٍو، فتَدخَّلَ مِكْرزٌ الذي كانَ حاضرًا لكِتابةِ الصُّلحِ، قائلًا: «بلْ قدْ أَجزْناهُ لكَ»، أي: وافَقْنا على طَلَبِكَ هذا، ويُوضِّحُ كَلامُ أبي جَندلٍ الآتي أنَّهُ لم يَنزِلْ سُهيلٌ على كَلامِ مِكْرَزٍ، بلْ ردَّهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليهمْ، حتَّى إنَّ أبا جَندلٍ قالَ مُتعجِّبًا: «أيْ مَعشرَ المُسلمينَ، أُرَدُّ إلى المشركينَ وقدْ جئتُ مُسلِمًا! ألَا تَرَونَ ما قدْ لقِيتُ؟!» وكانَ قدْ عُذِّبَ عذابًا شَديدًا في اللهِ.فتَعَجَّبَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه مِن مَوقفِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومِن شُروطِ الصُّلحِ التي ليسَ في ظاهِرِها خَيرٌ للمُسلمينَ، فأَتى عمرُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُتسائِلًا والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُجيبُه: «ألستَ نبيَّ اللهِ حقًّا؟! قالَ: بلى. قلتُ: ألسْنا على الحقِّ، وعدُوُّنا على الباطلِ؟! قالَ: بلى. قلتُ: فلِمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في دِينِنا إذنْ؟! قالَ: إنِّي رسولُ اللهِ، ولستُ أَعصيهِ، وهو ناصِري، قُلتُ: أَوَليسَ كُنتَ تُحدِّثُنا أنَّا سَنَأتي البيتَ فنَطَّوَّفُ بهِ؟ قال: بلى. فأخْبرْتُكَ أنَّا نَأتيهِ العامَ؟ قالَ: قلتُ: لا، قالَ: فإنَّكَ آتيهِ ومُطَّوِّفٌ بِه»، والدَّنِيَّةُ: النَّقيصةُ والمَذلَّةُ، فأَتى عمرُ أبا بكرٍ رَضيَ اللهُ عنهما وقالَ لهُ مِثلَما قالَ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأَجابَهُ أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه بمِثلِ ما أجابهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثمَّ قال له: «أيُّها الرُّجُلُ، إنَّهُ لَرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وليسَ يَعصي ربَّه، وهو ناصِرُه، فاستَمْسِكْ بغَرْزِهِ؛ فواللهِ إنَّه على الحقِّ»، والمرادُ بـ«استَمسِكْ بغَرْزِهِ»: الْزَمْ أمْرَه، وتَمسَّكْ بهِ ولا تُخالِفْه؛ فإنَّهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مُقيَّدٌ بالوَحيِ، ومُؤيَّدٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ، يقولُ عمرُ رَضيَ اللهُ عنه بعْدَ مَوقفهِ هذا: «فعَمِلتُ لذلكَ أَعمالًا»، أي: فَعلْتُ أعْمالًا صالحةً عَسى أنْ يُكفِّرَ اللهُ لي بهِا مَوقفي هذا.فلمَّا قَضى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كِتابَهُ وانعَقَدَ الصُّلحُ الذي بيْنهُ وبيْن قُريشٍ، أمَرَ الصَّحابةَ أنْ يَنحَرُوا ويَحلِقوا، فلمْ يَستجِبْ منهمْ أحدٌ لأمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَها ثَلاثَ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ لم يَستجِبْ أحدٌ مِنَ الصَّحابةِ، ولعلَّهم تَأخَّروا في تَنفيذِ أمْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ رَجاءَ نُزولِ الوحيِ بإبطالِ الصُّلحِ المذكورِ؛ لِيَتمَّ لهم قَضاءُ نُسُكِهم.فدَخَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على زَوجتِه أُمِّ سَلَمةَ يَشكو إليها امتِناعَ أصحابِهِ رِضوانُ اللهِ عَليهِمْ مِن تَلبِيةِ أَوامرِهِ، فأشارتْ عليه أمُّ سَلَمةَ رَضيَ اللهُ عنها على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بألَّا يَتكلَّمَ معَ أحدٍ منهمْ كلمةً حتَّى يَنحَرَ بُدْنَه، ويَدْعوَ حالِقه فيَحلِقَه، فرَضيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما قالتْ، فخرَجَ وفعَلَ ما أَشارتْ بهِ، فلمَّا رأى الصَّحابةُ فِعلَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قاموا ففَعلوا فِعلَهُ واهتَدَوْا بِهَدْيِهِ، حتَّى كادَ بَعضُهم يَقْتُلُ بَعضًا غمًّا، أي: حُزنًا على أنَّهم صُدُّوا عن البيتِ ولم يُكْمِلوا نُسكَهم، ولتَحقُّقِهم بفِعلِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ذلك أنَّ الأمرَ نافذٌ، وأنَّ الوحيَ لم يَنزِلْ ولم يُبطِلِ اللهُ الصُّلحَ وشُروطَه المجحِفةَ، وأنَّهم بذلك قدْ تأخَّروا في تَنفيذِ أمْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الأوَّلِ لهم بالتَّحلُّلِ والحَلقِ والنَّحْرِ.ثمَّ جاءَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نِسوةٌ مُؤمناتٌ بعْدَ كِتابةِ الصُّلحِ، فأنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}[الممتحنة: 10]، والمرادُ: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أمَرَ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَقْبَلَ النِّساءَ التي أَتتْ إليهِ بعْدَ اختِبارِهنَّ بعْدَ أنْ عُرِفوا أنَّهنَّ إنَّما جِئنَ رَغبةً في الإسلامِ، وبعْدَ التأكُّدِ لا يُعيدُ المسلمونَ النِّساءَ المؤمناتِ إلى الكفَّارِ، وعلى المؤمنينَ ألَّا يَستمْسِكوا بزَوجاتِهم الكافراتِ، فطَلَّقَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه يَومئذٍ امرأَتينِ كانَتا زَوجتَينِ له في الشِّركِ، فتَزوَّجَ إحداهما مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ، والأُخرى صَفوانُ بنُ أمَّيةَ.ثمَّ رجَعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى المدينةِ، فجاءَ أبو بَصيرٍ -وهو رجُلٌ مِن قُريشٍ- إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في المدينةِ وهو مُسلِمٌ، فأَرسَلَتْ قُريشٌ في طَلبِهِ رجُلَيْنِ، وذَكَروا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ العَهدَ الذي بيْنهمْ وبيْنهُ في ردِّ كلِّ مَن يَأتي مُسلِمًا مِن قُريشٍ، فردَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أبا بَصيرٍ لهمْ، فخَرَجَ الرَّجلانِ اللَّذينِ أرْسَلَتْهما قُريشٌ بأَبي بَصيرٍ مِن المدينةِ، حتَّى إذا كانوا بِذي الحُلَيفةِ نَزَلوا يَأكُلونَ مِن تَمْرٍ لهمْ، فاستَغلَّ أبو بَصيرٍ رَضيَ اللهُ عنه الموقِفَ وخادَعَ الرَّجلينِ اللَّذَينِ كانا معَه، فقالَ لأحدِهما: واللهِ إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فلانُ جيِّدًا، فاستَلَّهُ صاحبُ السَّيفِ له، أي: سَحَبَه مِن جِرابهِ، وبدَأَ الرَّجلُ يَمدَحُ في سَيفهِ له، فطَلَبَ أبو بَصيرٍ أنْ يُرِيَه سَيْفَه ويَضَعَهُ في يَدِهِ، فأعْطاهُ الرَّجلُ له، فضرَبَهُ أبو بَصيرٍ بالسَّيفِ حتَّى برَدَ، أي: ماتَ، فلمَّا رأَى ذلكَ الرَّجلُ الآخَرُ فرَّ هاربًا نحْوَ المدينةِ حتَّى دَخلَ مَسجِدَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَعْدُو، أي: يُسرِعُ، فقالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حينَ رآهُ: «لقدْ رأَى هذا ذُعرًا»، أي: فَزَعًا وخَوفًا، فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: قُتِلَ واللهِ صاحِبي، وإنِّي لَمقتولٌ، فجاءَ أَبو بَصيرٍ، فقالَ: يا نَبيَّ اللهِ، قدْ -واللهِ- أَوفَى اللهُ ذِمَّتكَ؛ قدْ رَددْتَني إليهِمْ، ثمَّ أنْجاني اللهُ منهمْ، فليسَ عليكَ حرَجٌ بعْدَما وَفَّيتَ لهم عَهدَهُمْ، وقالَ أبو بَصيرٍ ذلكَ ظنًّا منهُ أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سيَرْضَى بهِ ويُبقِي عليه، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «وَيْلُ أُمِّهِ! مِسْعَرَ حَربٍ، لَوْ كانَ لهُ أحدٌ»، والوَيْلُ: العذابُ، وهيَ كلِمةٌ أصلُها دُعاءٌ على الشَّخصِ، ولكنَّها استُعمِلتْ هُنا للتَّعجُّبِ من عَملِهِ، و«مِسْعَرُ حَربٍ»: مُحرِّكٌ للحربِ ومُوقِدٌ لنارِها، والمرادُ: أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَعجَّبَ مِن فِعلةِ أبي بَصيرٍ، حتَّى وَصَفَه بأنَّه مُحرِّكٌ للحربِ ومُوقِدُها لو كانَ معَه أحدٌ يَنصُرُهُ ويُعاضِدُه، فعرَفَ أبو بَصيرٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سيَردُّهُ إلى قُريشٍ بعْدَ كلِمتِهِ هذِه، فخَرَجَ حتَّى أَتى سِيفَ البحرِ، و«سِيفُ البَحرِ» بكَسرِ السِّينِ، وهو على ساحلُ البحرِ، وكان في طَريقِ أهلِ مكَّةَ إذا قَصَدوا الشَّامَ، فانفَلَتَ إِليهِ أبو جَندَلِ بنُ سُهيلٍ؛ أي تَخلَّصَ مِن قُريشٍ بالذِّهابِ إلى أبي بَصيرٍ، كما لَحِقَ بهِ كلُّ رجُلٍ أسْلَمَ مِن قُريشٍ بعْدَ الصُّلحِ، حتَّى اجتَمعتْ مِنهم عِصابةٌ -جَماعةٌ تُقدَّر الأَربعينَ فما فوقَ ذلكَ- فما يَسمَعونَ بِعِيرٍ خَرَجتْ لقُريشٍ إلى الشام إلَّا اعترَضوا لها، فقتَلوهُمْ وأَخَذوا أَموالَهمْ، والمرادُ بالعِيرِ: القافِلةُ، فتَضرَّرتْ قُريشٌ مِن هذا، حتَّى إنَّها أرسَلَتْ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، تُناشِدُهُ باللهِ والرَّحِمِ الذي بيْنهمْ أنْ يُرسِلَ إلى أَبي بَصيرٍ ومَن معَه ليَكُفُّوا عنهُمْ ما يَفعَلون، وأنَّ مَن أَتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فهو آمِنٌ، وليسَ على الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَرُدَّهُ إلى قُريشٍ، ففَعَلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأرسَلَ إلَيهمْ، فأنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على إثرِ هذا الحدَثِ قولَهُ تعالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}[الفتح: 24-26]، والحَمِيَّةُ: هي التَّعصُّبُ لغيرِ الحقِّ، وكانتْ حَمِيَّةُ قريشٍ أنَّهم لم يُقِرُّوا أنَّهُ نَبيُّ اللهِ، ولم يُقِرُّوا بِـ«بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ»، وحالُوا بيْنهمْ وبيْن البيتِ.وفي الحديثِ: أنَّ اللهَ تعالَى يَنصُرُ هذا الدِّينَ بما قدْ يَظُنُّ البعضُ أنَّه خِذلانٌ، وأنَّ الفرَجَ مع الصَّبرِ.وفيه: أنَّ طاعةَ اللهِ ورسولِه واجبةٌ دونَ النَّظرِ إلى مَعرفةِ الحِكمةِ مِن الأمْرِ أو النَّهيِ.وفيه: أنَّ بَعضَ الأمورِ قدْ تَخفى على ذَوي العُقولِ والبَصيرةِ.وفيه: أنَّ الدِّينَ مَبنيٌّ على التَّسليمِ لأمرِ اللهِ سُبحانه والطَّاعةِ لرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

    لا توجد بيانات
    . . .
    فضلًا انتظر تحميل الصوت